نموذج: الصندوق الأسود (لم تستبدل المعرفة بالإيمان؟)

عالمنا آخذ بالتعقيد طوال الوقت وعلى مدار الساعة، هذا بات أمراً حتمياً وغير قابل للنقاش. الأبيض والأسود، الجيد والسيء، الصواب والخطأ تم إزاحة هذا كله من قبل أنظمة أشد تعقيداً تركت السواد الأعظم من الناس في ظلام تام أو جهل مطبق.

مع التطور السريع والمعقد للعالم من حولنا، يتضاءل الحيز الكمي لما نعلمه تماما طوال الوقت، ونعني بهذا العلم الذي نفهمه ورسخ في أذهاننا. منذ عهدٍ قريب، وتحديدا في الثمانينات من القرن الماضي كان الأساتذة يحاولون جاهدين شرح طريقة معالجة الحاسوب للبيانات عبر نظام الشفرة المزدوجة لطلابهم. لكن السواد الأعظم من الناس اليوم يستخدمون التلفونات الذكية، والأجهزة اللوحية، وكذا الرقمية حتى باتت أمراً مفروغاً منه ومن المسلمات دون إدراك حقيقي، أو استيعاب كامل لما يحدث بداخل هذه الأجهزة. ماذا لو حاول عالم للشفرات الوراثية بأن يشرح لنا دقائق هذا العلم؟ بالتأكيد فإن الكثير منا سيجهل تعقيدات الجسد البشري، ولن يمضي الكثير من الوقت كي نعلم بأننا نجهل تماماً ما يحاول هذا العالم شرحه. 

نحن محاطون دوماً، وعلى نحو متزايد ب “صناديق سوداء” من المعرفة – أنظمة معقدة-لا نفهمها تمام الفهم حتى لو تم شرحها لنا. كعامة، لا نستطيع إدراك ما يدور بداخل هذه الصناديق السوداء من المعرفة لكن هذا لا يمنعنا من الأخذ بالحسبان المعطيات التي نودعها في هذه الصناديق، والمخرجات منها بل ودمجها في قراراتنا اليومية والمصيرية في بعض الأحيان. مما يعني أن الوقت الذي نمضيه ونحن نؤمن بهذه الصناديق السوداء وما يدور بداخلها من تعقيدات آخذٌ في الازدياد. والنتيجة هي أننا نولي أهمية أكبر لمن يستطيع شرح هذه الصناديق السوداء لنا بشكل مبسط من أولئك الذين يحاولون شرحها فعلياً. 

وعليه ففي المستقبل، سيغدو إقناع الناس بواسطة الصور والمشاعر هو الأمر الطبيعي، عوضاً عن المناظرات والنقاشات.  

ميخائيل كروغيرس و رومان تشابيلير 

لست خطأ..

تفاعلاً مع موجة العنف التي يتعرض لها الأمريكيون من أصول أفريقية، قام الشاعر كلنت سميث بكتابة رسالة، إلى الابن الذي قد يرزقه ذات يوم، الشاعر يتفكر في الدروس التي تلقنها ويشاركنا آماله لابنه في المستقبل نشرها موقع ideas.ted.com وقد رأيت أن أترجمها بتصرف، لأنها تلامس الكثير من واقعنا.

======

بني،

أود أن أحدثك عن مدى صعوبة أن تخبر أحدهم بأنه جميل ومعرض للخطر في آن واحد. لكم يستحق الحياة، لكنه وبسبب عيشه فهو محتقر.

لا أقصد أن أخيفك. والدي (جدك) علمني أن اتبع قوانين محددة قبل أن أفهم مقاصدها. أخبرني بأن هذه القواعد لا تنطبق على الجميع، حتى أنها قد لا تنطبق على كل أصدقائي. لكنها وبغض النظر عن هذا كله فهي قواعد ينبغي علي اتبعها. الكثير من الأطفال السود يُقتلون لأجل أسباب لا يعيرها أقرانهم أية انتباه. الاستماع للموسيقى بصخب على سبيل المثال، أو لبس سترة ووضع غطاء الرأس الملاصق بها على الرأس، أو حتى للعب بلعبة في وسط حديقة. والدي علم هذه الأمور. علم أنه لا مجال للخطأ. أيقن بأن هذا ليس عادلاً، لكنه أحبني حباً منعه ألا يعلمني هذه الأمور، بقصد حمايتي.

لقد قصصت عليك هذه الحكاية من قبل، لكنها جديرة بالسرد مرة أخرى. في العديد من أيام السبت وفي أوقات الصباح كنت وصحبي نتجول بدراجاتنا الهوائية بين الحي معاً. كان الهواء ينحت حينها سعادة بسيطة على وجوهنا البريئة. رائحة وجبات الإفطار وهي تتسلل من خلال فتحات نوافذ البيوت المصفوفة على جانبي الطرقات. كل ما كان حقيقا بجلب انتباهنا من خيارات لا نهاية لها كان أمامنا، أمام مقاود عجلاتنا الهوائية. الأمر الذي كان يعني بأننا لا زلنا أطفالاً! كان طاقم فريقنا مكوناً من عناصر متنوعة، أطفال من عدة أعراق، لشدة ما كانت قناة ديزني لتفخر بهذا الفريق المتنوع. حلمنا ببناء أكواخ بين أغصان الأشجار لها كلمات دخول سرية، وبقتال التنانين  قتالا محفوفاً بالمخاطر أثناء دفع زفرات التنانين النارية. حلمنا بتحقيق هدف الفوز في مبارة بوسط استاد حيث الآلاف من الناس يهتفون بأسمائنا. كان طموحنا يبلغ حدود المجرة التي ولدنا بها، كنا ببساطة كواكب صغيرة تنشد أفلاكها.

ذات مساء، ذهبنا لملعب حيث كنا نلعب دوماً الكرة الأمريكية، نحاكي المحترفين ذوي العضلات المفتولة في زهوهم أثناء مباريات الأحد التي نشاهدها عبر التلفاز. هذه المرة كان الملعب مغلقا، كان مدخل السياج مقفولا بقفل عصي الكسر. أحد الرفاق، وكان شعره أشقراً طويلاً، يتدلى أمام عينيه، رمى بالكرة إلي، وسرعان ما تسلق السياج. شاهدته، يضع رجلا فوق أخرى وهو يتسلق بكل سلاسة دون أن يعير انتباها للحقيقة، دون أن يأبه بأننا من غير المفترض أن نتسلل لهذا المكان. أذكر سماع صافرات الشرطة من بعيد، علها كانت تبعد عدة حواري عنا، علها كانت تصفر ذاهبة بعيدا في اتجاه آخر، لم أستطع التحقق من ذلك، لكن كنت على علم بأن علي عدم تجاهلها. في هذه الأثناء حط صاحبي على الناحية الأخرى من السياج، وأخذ يومئ إلى البقية منا بأن نقفز من فوق السياج كما فعل. ظللت ممسكا بالكرة في يدي، أراه من خلف شباك السياج الذي حال بيننا. كانت تلكم اللحظة عندما أيقنت كيف أني وإياه مختلفان، قبل أن امتلك الكلمات التي تمكنني من شرح اختلافي وإياه. كيف استطاع خرق قانون ما بدون أن يعير الأمر فكرا، في حين أن ارتكابي لهذا الخطأ قد يكلفني باهظا!

بني،

أتمنى أن اعلمك جل ما علمني إياه والدي، لكني أدعو أن تعيش في عالم مغاير تماماً للعالم الذي ورثته ووالدي. أنا لا أحسد والدي على مهمته، وهي مهمة قد توكل إلي ذات يوم. أخبرك بهذه الأمور لأَنِّي متيقن من قوتك ومرونتك. نعم، ستصّير خوفهم إلى حصن يحميك، ستحوله إلى معقل لحب الغير، ضد الوحشية التي لا مبرر لها.

أريدك أن تعي أنها لكن تكون الأمور التي يخبرك العالم بها، بل الأمور التي يكتمها عنك. ستكون هذه الأمور المهملة، خلاف الإهانات المباشرة، ما تسبب أكبر أَذًى. كتبك المدرسية مثلا، لن تخبرك على الأرجح أن توماس جيفرسون اعتقد بأن السود أدنى مرتبة من البيض في الروح والجسد، لن تخبرك كيف أبقت صفقة الرئيس روزفلت على حفرة تتسع لعائلات السود لتهوي فيها في حين أن هذه الصفقة رفعت بقية البلاد للطبقة الوسطى لتكوّن عائلات متوسطة الدخل. لن تخبرك أيضاً كيف حالت الحكومة الفيدرالية بين عائلات السود وبين امتلاكها لبيوت في المدن على امتداد هذا البلد. لن تخبرك هذه الكتب كيف يتم تحفيز مراكز الشرطة لرؤيتك على هيئة مشكلة، شيء ينبغي القضاء عليه.

لن يخبروك بهذه الأشياء، ولهذا السبب سيتوقعون منك أن تؤمن بأن حقيقة مجتمعاتنا المعاصرة ماهي إلا نتيجة أخطاؤنا نحن، بأننا ببساطة لم نبذل الجهد المطلوب، بأن كل ما ينبغي علينا فعله لنغير من هذه التحديات مجرد تعديل طفيف في سلوكياتنا، في أسلوب حديثنا، وفي هندامنا وعنايتنا بثيابنا.

وبالرغم من هذا كله، فلا تظن للحظة أنك لا تستطيع أن تغير شيئاً من مما هو موجود. عالمنا مبني على فرضيات اجتماعية، من الممكن إعادة بنائه. هذا العالم بني ذات يوم، ومن الممكن أن يعاد بنائه. استعمل كل ماتحصلت عليه في إعادة تصور هذا العالم. لست خطأً، ولست عجزاً، لست شيئاً يجب أن يجتث من جذوره أو شيئاً تم الاستعاضة عنه. أنت لست مرضاً اجتماعيا.

أنت أتيت من سلالة ممن بنوا هذا البلد. أتيت عبر أجدادي. أحدهم الذي كد عبر حقول التبغ طوال فترة مراهقته على امتداد نهر المسيسيبي. وآخر ممن حملوا السلاح دفاعاً عن هذا البلد، وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى بصقوا عليه. أتيت عبر جداتي اللاتي كرسن حياتهن لتعليم مجتمعاتنا الصغيرة، حيث كانت جودة التعليم ترزح تحت أهواء الدولة. أتيت عبر والديّ، اللذان حمياني من العنف وجعلا مني شخصاً كاملاً. أنت تجسد رغبة هؤلاء جميعاً، الرغبة التي لا تعرف اليأس، وترغب في التغلب على هذا كله.

أتمنى أن ترث عالماً تستطيع فيه أن تحب من تشاء. أتمنى أن تقرأ، وتكتب، وتضحك، وتغني، وترقص، وتبني، وتبكي، وتفعل جميع الأمور التي يفعلها بقية الأطفال.

أتمنى ألا تقف أبداً في الطرف الآخر من السياج، وتعلم أنه عالم لا تستطيع الدخول له فقط بسبب لون بشرتك.

الخليجي ذو التمر واللبن، والفلاحة.

إهداء: إليها.. أينما كنت.آسف.

اعتراف: يتطلب الأمر بعضا من الشجاعة لكي تعترف بخطأ ما في العالم العربي، ويتطلب الأمر تهوراً لكي تكتب ذاك الاعتراف. لكني أفعل لعدة أسباب بعضها سهل وظاهر للعين، والبعض أبقي عليه لغاية في نفس يعقوب.

==

حدث قبل أعوام في مكة وفي رمضان، وقبيل أذان المغرب، نزلت إلى ساحة المسجد الحرام. نظيف الثوب، حليق الرأس، تفوح مني رائحة الطيب -واللي يعلق إن شاء الله تبقى معفن طول عمرك –وقد خلّفت أقواما خلفي يقطنون أجنحة فندقية تطل على الكعبة المشرفة، وأنا أضحك من بعضهم قائلاً: “يجوز رؤية الكعبة المشرفة بعد أداء العمرة!” وهو ما أصبح أمراً جلياً مؤخراً لمن ينزل في الأبراج العالية، فالمصلى يطل على الكعبة، وهو أنظف، وأعطر، وأبرد، وأجمل، وفيه أيضاً من اللطف أنك توسع على إخوانك المسلمين وهذا كله مدعاة للخشوع وعليه فالصلاة في الفندق لها أجر يكاد يحاكي أجر من صلى في صحن الكعبة، لأن مكة كلها حرم!  

يسروا ولا تعسروا… بشروا ولا تنفروا. لكن نهجي دائماً كان أن أخالط الناس، لذا آثرت النزول والتعسير على نفسي! 

ما يلفت النظر هو أنك لا تكون أبداً جزءً من بداية العرض في مكة، أنت مجرد دور في مرحلة ما. أما عن لحظة البدء، فهي مذ هبط أبونا آدم، ثم بناء البيت على يد أبينا إبراهيم وابنه إسماعيل – عليهم أفضل الصلوات وأتم التسليم – فالكل هنا في حركة منذ لحظة البدء. إما معتمر يقبل على بيت الله، أو أحدهم ترى في وجهه السعادة لأنه أتم العمرة أو أنهم أناس مشغولون بيومهم، كالباعة، والمتسولين، والعسكر، وعمال النظافة وأنت في كل هذا ينبغي أن تكون جزء من هذا العرض السرمدي. 

أخذ الناس بالتوافد إلى الحرم، السُفر تمد، قوارير الماء تُصف، التمر يُوضع، والناس تأخذ أماكنها خشية أن يسبقها أحد إلى ما تم وضعه وصفّه. البعض مستلقي على ظهره، وأقوام يقرؤون كتاب الله، والنساء تزيد على هذا العناية بالأطفال.

الروائح تختلط ببعضها البعض كغيرها من الأشياء في مكة بعضها ذكي أخاذ وآخر نفّاذ تكاد تتقيأ من شمك إياه. تستطيع الوقوف في نقطة واحدة لتمر بك آلاف الصفات من كل شيء دفعة ثم تأتي من بعدها أضدادها في فوج آخر كأن يمر بك الشاب، والغني، والضحوك ثم يأتي من بعدها الشيخ الكسيح والفقير والعبوس، أو تأتي كل صفة بصحبة ضدها، كأن يمشي الغني ذو الجاه بجانب الفقير المعدم، ولا هم لهما سوى الوصول إلى مكان يرتضيه كل منها. 

وفي خضم هذا كله أصوات وألسنة تصل إلى أذني مختلطة مجتمعة أحيانا ومفردة، بعضها يُهمس وآخر يُصرخ. أردت اختبار سرعة تعرفي عليها: نظرت للأسفل، تركت لأذناي التعرف على المحيط من حولي تعرفت على التركية أمامي، والهندية عن يميني، والعربية في لكنتها المغربية في نفس الاتجاه، الروسية من خلفي، والصينية من بعيد، الفارسية جاءت بعبارة أو عبارتين، الانجليزية كانت تأتي همساً ثم تعاود الاختفاء، وبعض من الألسنة جهلته لا أدري أكانت الفرنسية أم الإيطالية؟ ولسان أفريقي هل كان سواحيليا؟ لا أدري..رفعت عيناي أردت الاحتفاظ بهذا كله لنفسي، أردت حفظه بعيني وأن استودعه قلبي، لا من خلال عدسة ثم إلى موقعٍ ما.

أما العمال، فكل عامل له لون ووظيفة محددة، من يلبس الأزرق يهم بالنظافة، من يلبس الأخضر عليه بأن يوزع الطعام، ومن يلبس البني يمشي وخلفه أناس يعاينون ما ينبغي إصلاحه. وهناك من ليس من ضمن العمال، يلبس الزي الزيتي ويصرخ: “حج يا حاج، حج يا حاج!” كل الألوان تنظر للون الزيتي بنوع من العجب، والخوف في آن واحد. 

وإذ بفتية يقبلون علي، وجوههم مرهقة سواعدهم قد شمِّر عنها، وابتسامتهم مشرقة:

“سبّل سبّل تبغى تنقي..” 

“سبّل يا حاج عصير، لبن، تمر سمبوسة و..” 

كان أحد الشباب يسرد علي ما تحتوي وجبة الطعام التي يعرض توزيعها كابرع ما أنت راء من نادل في أرقى المطاعم.

وسبّل تعني: اعط في سبيل الله، أو لابن السبيل. راقت لي الفكرة، وكانت آنذاك حديثة عهد. 

“هاك أمسك الوجبة دوبها متعبيه! ” مد إلي صندوق ساخن تفوح منه رائحة زكية.

“بس بس يخرب بيتك بفطر الحين، قصدي جزاك الله خير.. طيب كم صندوق عندك؟”

“تبغى تسبل مكة بس؟ ولا المدينة كمان!؟” رد وهو يضحك.

“توكل على الله.” ÑÏÏÊ æÃäÇ ãÚÌÈ áÓÑÚÉ ÈÏíåÊå.

اتفقت وإياه على الكمية، وعيون كثيرة ترصد شيئاً واحداً انتقال أي لفافة ورقية من يدي إلى يده، وما أن فعلت حتى تلاطمت جموع بشرية، كلها فاغرة أفواهها وتمد أياديها نحو مجموعة قامت بالتوزيع،  الصناديق تتطاير في الهواء ثم تتلقفها الأيدي “هنا، جيب..عطني، هات æßáãÇÊ أخرى تطير في الناحية الأخرى ÈÏÃÊ ÊÓÃá Ýí ÇÓÊÍíÇÁ Ëã ÕÇÑÊ ÊäÇÏí æÊØÇáÈ¡ ßÃä åäÇß ÛÖÈÇð íäÇã ÊÍÊ åÐÇ ÇáßáãÇÊ áÃäåã íÑæä ÑÌáÇð íÑíÏ Ãä íÚØí¡ æÝí ÎíÇáåã Ãä áÏíå ãÝÇÊÍ ÎÒÇÆä ÞÇÑæä، وكل من يقف بينهم وبين هذه الكنوز شاب وصحبه يلقون بعضاً من الصناديق.

أشير بيدي فأسقي أقواما وأشير بالأخرى فأطعم أقواما آخرين، كل هذا والكعبة على بعد بضعة مئات من الأمتار، وأبراج زمزم تظلني. نعم.. أنعم الله علي، فنشرت نعمه بين خلقه في بيته الحرام، خليجي مثالي، يقاسم بقية المسلمين تمره ولبنه. لكن الضجة تعالت والزحام ازداد، وإذ بمسلم أفريقي ضخم يكاد يفتك بصبي لأنه سبقه لأكثر من وجبة. بل وفي يد الرجل وجبات عدة! فلما سألت ما هو فاعل بهذا كله؟ قيل لي أنه سيبيعها بثمن أقل من ثمن التسبيل حتى ينتفع بهذا المال.

ذهلت، في رمضان وفي بيت الله الحرام. ما مدى فقر هذا الرجل؟ وما مدى جوعه؟ كم عدد فقراء المسلمين؟ ولم انتظرنا حتى نصل لهذه المرحلة؟ حين يكاد يقتل الرجل صبياً لأجل دراهم معدودة؟ 

هل أثرت الفوضى دونما قصد؟ أردت التنظيم فجعلت أشير على من يحمل الصناديق بأن يرمي بعضها ذات اليمين وذات الشمال بدلاً من رميها نحو جمهورٍ بعينه. ثم أشرت عليهم ألا يعطوا من رأوا في يده شيئاً مما أعطوا. 

وإذ بها تظهر من بين الجموع حاملةً صندوقاً في يدها وتمشي نحوي بكل سكينة ووقار، هي تعرج بشمالها، سيدة في الأربعين أو الخمسين من عمرها، تتشح السواد وتلبس عباءة سوداء أيضاً، هزيلة تنظر إلي حتى إذا صارت أمامي قالت بلكنة الفلاحين من مصر: يا ابني، لو سمحت هل لي بوجبتين أخرتين؟ 

صرخ الشاب في وجهها: يا حجة، الله ييسر لك. 

لم تنظر إليه لكنها أمعنت النظر إلي: “يا ابني اسمع، أنا بحاجة لوجبتين. لو سمحت قل للشاب هذا أن يعطيني.”

ما كنت فاعل؟ لو أعطيتها لقام كل من أعطيت فطالب بوجبة ثانية وثالثة. ألم يوضع النظام لمنع هذا؟ 

قلت لها: اعذريني. لكن من أراد فليأت بنفسه. 

ردت: لا يستطيعون يا سيدي. 

ثم لم أعرها اهتماماً حتى قامت بما لم اظن أنها ستفعله، ألقت الوجبة من يدها، فالتقفتها أحدهم قبل أن تصل إلى الأرض، وهي تحدجني ببصرها ثم قالت: 

“أني مش شحاتة يا ابني.بس أقول إيه؟ ربنا ما يحوجك يا وَلَدِي” 

وانسلت من بين الجمع بعرجتها. أردت أن اتبعها لأعطيها ما أرادت وكأني استيقظت من وهم النظام الذي وضعته فأنساني ما أردت فعله. 

فجأة بدت الكعبة بعيدة، 

فجأة لم أعد أنا الذي يعطي بل الذي يطمح أن يُعطى، لكن هذا الموج البشري الذي تسببت به حال بيني وبينها. وفجأة أذن المؤذن، فلم أرها بعد ذلك أبداً. 

خاتمة:

 اليوم وبعد أعوام، لا زلت أسمع هذه العبارة ترن في أذني ” ربنا ما يحوجك يا وَلَدِي” اليوم أصبحت الصدقة عندي أكبر من المال نفسه، صرت أتبسم في وجه من أريد دفع الصدقة إليه، وأكون متردداً خشية ألا أجرح فيه ما هو أغلى عليه من النقود، فأحييه حتى إذا رأيت منه الانشراح دفعت إليه ما قسمه الله له وجعلني سبباً فيه، ثم أشيعه واعتذر له عن التقصير وأن الجود بالموجود. 

لا خال ولا عم

إلى ذلكم اليتيم الذي تفجع وهو يشيع جثة والده..شيء ما يخبرني بأن صورتك ستظل محفورة في ذاكرتي لبقية هذا العام، لا..لبقية هذا العمر. === شيء ما جعلني أذهب للصلاة على والدك ولمّا أعرفه، خر أخوك الكبير مغشيا عليه قبل صلاة الجنازة وحمله البعض بعيدا كي يعيدوه لوعيه، وصلى القوم عليه فكان يسمع أزيز الصدور من هنا وهناك، فحمل الناس جثمان والدك ولقصر قامتك يا صغيري ضنت عليك الأيام بألا يطر شاربك، ويغلظ عودك، وتطول قامتك أولا فتكون فيمن حملت جثمانه رحمه الله.. تتفجع، وتتوجع، عيناك تهمل دمعا تكفكفه بغترتك، حتى ابتلت أطرافها، تتمتم بكلمة “يبه” وفي صوتك وجدت الدنيا لحن الحزن الذي أرادت أن تعزفه، وفي دموعك عثرت على الماء الذي تسكبه. تهافت الجميع فمدوا أياديهم وبقيت كطير مكسور الجناح تمشي حولهم تارة أمامهم وتارة خلفهم..ولو بعثه الله حينها لدفع أيديهم، ولضمك إليه مرة أخرى. حتى دموعك أردت لها أن تعانقه لكنها الأرض كما تسلب والدك اليوم فهي تسلب دموعك. وقف أحد إخوانك وقد خارت قواه، يلاحق ذلك الجسد الذي لف برداء أبيض يبكي في مكانه، عاجز عن الحراك ويتراعد جسده الصغير، يتعلق بحائط، يتشبث به وكأنه يتشبث بالوقت يرجوه ألا يمضي لمراحل الدفن، يريد من الزمن أن يعود لبعض الوقت، لبضع ساعات للوراء فقط. يشيع تلك المسافة الباقية بينه وبين عربة الإسعاف بعينه ودمعه. ثم أنك لامست جبين والد، حين سجي في عربة الإسعاف فما استطعت تمالك نفسك ودفنت وجهك في جسد أحد أقاربك تجهش بالبكاء، تتململ وعلها البراءة وما بقي منها يا صغيري هي التي تركتك تبث أوجاعك دون تكلف. احفظ هذه عني، لأنك كما صدقت حزنك فمن حق أحدهم أن يكون صادقا معك: “لا خال ولا عم يسد مكانه” ستفقده حين تريد أن تتعلم الجديد، وحين تنسى درسا قديما في الحياة، ستفقده . وحين تختلط عليك الأمور فتبحث عمن ينصحك دون أن تفكر إن كان يصدقك أم لا؟ ستفقده.. وحين يقال “يُستدعى ولي أمر الطالب” ستفقده، ستفقده وتتوجع لفقده في كل رمضان وفي كل عيد، وحين تذهب معزيا أو مهنئا ستفقده. وحين تذهب لتخطب شريكة العمر ستفقده. وحين تسمي ولدك باسمه وكنت ترجو من الله أن يحمله بيده فترى جيلين تعانقا وكنت أنت السبب الذي اختاره الله ليجمع بينهما ستفقده.. وستراه في حزن والدتك، وفي ترحم أعمامك وأخوالك. ستراه حين تلمع عينا صحبه إذ يرونه في محياك وستلملم أخباره كلما وجدتها في صدر من عرفه، ستبحث عن صوره، ستقتفي أخباره وتحفظها.. ثم هي لا تسد ذلك الجوع ولا تطفئ ذلك الظمأ إليه.. لم تعرفه، ولن تعرفه تمام المعرفة كما يعرف الأبناء طباع آبائهم حين يبدأ الناس بتعجبهم لمدى شبه الفرع بالجذع.. لكنك بالرغم من هذا ستفقده، وتحس بهذا الفقد أبدا.. ستكون قصارى آمالك رؤيته في منام، ستحفظ تلك الرؤيا في حين يحفظ أقرانك ذكرياتهم مع آبائهم. “لا خال ولا عم.. والنعم فيهم كلهم” لكن لن يسد أحد مكانه. يا صغيري.. وحين نتقابل مرة أخرى لن تكون صغيرا بعد اليوم، فليس بالصغير من دفن أحد والديه، ذلك لأن البعض يكبر قبل أوانه ويشيب ولما يعاين الشباب.. وكذا قدرك.. فارض به.

الجمال

Aboutإيما واتسون الممثلة البريطانية الموهوبة والتي اشتهرت من خلال دورها في سلسلة أفلام هاري بوتر. تتناول الصحف البريطانية أخبارها بهالة من الإعجاب لا لقدرتها على التمثيل فحسب، بل لأنها ناشطة في مجال حقوق المرأة ولها آراء تتسم بالعمق كما هو رأيها في الجمال مما ينسب إليها أدناه. أما عن السبب الذي دفعني لترجمته، فهو أن النساء بحاجة أحياناً لإعادة تعريف الجمال بعيداً عما يطلبه منهن الرجال أو الماكينات الإعلامية. ليس الجمال بالشعر الطويل، ولا القوام الممشوق، أو البشرة المسمرّة تحت ضوء الشمس أو الأسنان المثالية. صدقيني. الجمال تعرفينه في الوجه الذي بكى ثم هاهو الآن يبتسم، الجمال هو تلك الندبة على ركبتك التي حصلت عليها جرآء وقوعك من على دراجتك حين كنت طفلة. الجمال هو علامات السهر حول عينيك حين يمنعك الحب من النوم، الجمال هو التعابير التي تعتلي وجهك حين يرن جرس المنبه صباحا. هو ذوبان مساحيق التجميل حين تستحمين، هو الضحك لدعابة لا يفهمها أحد سواك. الجمال هو أن تلتقي عينك به وتتوقفين عن الإدراك. هو البكاء من كل مخاوفك، الجمال هو الخطوط التي يخطها الوقت على وجوهنا. الجمال هو ما نحسه بالداخل فينعكس على مظهرنا خارجيا. الجمال هو ما توسمنا الحياة به من علامات، كل الصدود وكل العناقات التي تتركها الذكريات بين أيدينا. الجمال هو أن تتركين نفسك تعيشين بحق.

شعلة ووحش

لا أستطيع إحصاء المرات التي استمعت وشاهدت فيها هذا المقطع الذي بلغت من الولوع به، ما دعاني لترجمته بين يديكم على ضعف مني باللغة الإنجليزية وعدم إلمام تام بما تفتضيه الترجمة الرصينة من تمكن باللغة العربية. وعل ذلك لأن المطرب البريطاني عبر عما يعتلج في صدر كل من همه أن يخرج بعمل للناس، والمشهد جزء من وثائقي لحياته التي بلغت حينها “عشرين ألف يوم على ظهر الأرض” وبهذا عنون الوثائقي الحائز على عدة جوائز. وقد ختم نك الوثائقي بهذه الكلمات، التي أرجو أن تحرك بداخل الفنان فيكم ما حركت في الكاتب مني: “أيامنا معدودة، ولا نملك أن نمضيها دون فعل شيء.. أن تقوم بتنفيذ فكرة سيئة، خير لك من ألا تفعل شيئاً على الإطلاق. لأن قيمة الفكرة لا تتضح، حتى تقوم بتنفيذها. أحياناً تكون هذه الفكرة من أبسط الأشياء في العالم، كشعلة صغيرة تحني ظهرك نحوها، وتحميها بكلتا يديك، وترجو ألا تنطفئ بفعل العواصف التي تدوي من حولها.إن استطعت أن تبقي على هذه الشعلة، ستنشأ الكثير من الأمور العظيمة حولها. كالأمور الضخمة في محتواها، المنيعة في أصلها، والمغيرة للعالم من حولها والتي تقوم جميعها على أبسط الأفكار كتلكم الشعلة.في النهاية، أنا لا أكترث بما أُحسِن فهمه. تبدو لي الكلمات التي كتبتها طيلة هذه السنين كطبقة من القشور التي تطلى من الخارج. هناك حقائق تكمن في أعماق الكلمات بعيدا عن سطحها، حقائق تطفو للسطح بدون سابق إنذار وتبدو لك لوهلة كظهر وحش يوشك على الظهور ثم يعاود الاختفاء مجدداً.إن الأداء، والغناء بالنسبة لي وسيلتان لإغراء ذاكم الوحش للاقتراب من السطح. خلق مساحة يستطيع ذلك المخلوق – أي الحقيقة- أن ينفذ من خلالها إلى ما هو حقيقي ومعلوم لنا. هذه المساحة المتلألئة حيث يتقاطع الخيال والواقع، حيث يكمن الحب، والدموع والأُنس. هذه هي المساحة، وهي حتما حيث نعيش.” Nick Cave – 20000 days on earth

المخرج عاوز كده!

Aboutإهداء: عزيزي المخرج، هذا الموضوع يخصك مع تحيات، مشاهد غير صامت ==== 1،2،3.. أكشن سألته: ما تقول في كذا؟ و”كذا” كانت موضوعاً يهمه، ويعني له ولغيره الكثير. أجاب بعذر، بقيت صامتاً استمع له، فتراجع عن عذره وجاء بآخر. وبقيت صامتاً انظر إليه، فتردد وتلعثم، يخيل لي أن الصمت أحياناً هو خير وسيلة للنقاش، وترك من يحدثك يستمع لنفسه وإن كان به من النبل والمروءة كما بصاحبي فصدقاً ستصل مع من تحاور إلى نتيجة. فقال: “لا يهم رأيي، سيظل الحال على ما هو عليه” لا ينبغي أن تكون عالماً بما يعرف بلغة الجسد، والتخاطب لتعلم مدى اللامبالاة واليأس وهو يقول هذه العبارة. ابتسمت: لماذا؟ فقال وهو يرفع بكتفيه: “المخرج عاوز كده..” ثم استودعني وبقيت أفكر في هذه العبارة التي أصبحت دارجة والتي عادة ما تقال في تبرم وضيق، وتفيد بالعجز، وتوحي بأن القائل مغلوب على أمره. فكرت وفكرت، السؤال الوجودي هو: من المخرج؟ وأرجوك لا تبتسم وتهمس لنفسك: يستهبل رائد؟ رائد لا يستهبل، أو إحقاقا للحق يستهبل بين الحين والآخر لكن هذه التدوينة ليست من ضمن الاستهبال. أنا أبحث عن الإجابة، وبما أننا تطرقنا للسؤال، فقلما يولد سؤال دون أن يكون له توأم أو زوج من الأسئلة تلاصقه وتلاحقه. أصلاً أي متزوج يعلم هذه الحقيقة :متى سمعت سؤالاً واحداً فقط دون أن يطرح مع جملة من الأسئلة؟ وفيما يلي جملة منها: من المخرج؟ وما هي ال”كده” التي يريدها؟ اتفق مع مقولة شكسبير “ما الدنيا إلا مسرح كبير” لكن كيف تم توزيع الأدوار؟ من هم الأبطال؟ من له الأدوار المساعدة؟ ومن له الأدوار الثانوية؟ ثم ما الذي نمثله إن كنا ممثلين؟ أو ذاكم الذي نطالعه إن كنا مشاهدين؟ ما طبيعة الفلم؟ كوميدي؟ فكاهي؟ كوميدي تراجيدي؟ دراما؟ أو هو فلم رعب؟ من هو المنتج؟ ومن كتب النص؟ هل هناك أكثر من مخرج؟ كم فلماً يطرح في عمر المواطن العربي؟ لست بالخبير السينمائي، ولا أتابع الأفلام الهوليوودية بشغف الشباب الذي ولى، شهد الله وكل شعرة بيضاء في عارضي بذلك لكن أعلم أن هوليوود تأتي بنهايات متعددة وتعرضها على عينة من المشاهدين بقصد رصد ردة فعلهم وتختار النهاية الأسلم، والأكثر ألفةً لتوقعات المتابعين، والاضمن لنجاح الفلم. فهل بالإمكان اطلاعنا على نهايات متعددة عزيزي المخرج؟ وإلا فُجعنا بنهاية لا توافق توقعاتنا…وعندها يفشل الفلم.

المتجمدون

 

مقدمة في العام 1626 مات العالم فرانسيس بيكون وهو يحاول تجميد دجاجةرغبةً منه في التعرف على آثار تجمد الأنسجة واللحوم، وقيل أن هذه التجربة كان جزءاً من بحث عن سبب للتغلب على الموت إذ كان العلماءحينها ينظرون للموت على أنه عقبة لا نهاية طريق، ونهاية اختيارية لاحتمية. ولا يزال علماء الآثار، وعلوم الانسان يخرجون لنا بكشف عن جثث تجمدت أو حُفظت كما هي بالرغم من مضي آلاف السنين مثل أوتزي وهي أقدم جثة تم العثور عليها في أوروبا وتعود ل3300 قبل الميلاد، وفي كل عام تغازل هوليوود خيال المشاهدين، بأفلام تدور حول إمكانية حفظ الروح البشرية في الجسد الذي تسكنه عبر التجميد، وبعثها في زمان آخر. إعادة بناء جسد أوتزي وتصور هيئته بحسب جثته المتجمدة أما عن ردة فعلي تجاه هذا كله فهي ببساطة: #فكني_يا_شيخ والسبب؟ وجود المتجمدين في الخليج العربي بكثرة لا تدعو للاستغراب أو تثير الدهشة عند سماع أي خبر أو مشاهدة أي فلم. الجمود الذي أرمز له هو الجمود الذي يجعل صاحبه يعيش في فترة زمنية محددة ولا يقبل بأن يتعداها حتى يغدو غريباً عن الزمن الذي يعيشه المجتمع بأسره. إذ يحول الماضي كجدار زجاجي بينه وبين الحاضر ، يستطيع النظر من خلاله لكنه لا يستطيع أن يكون جزءاً مما وراءه. وهو في هذا يصبح منقطعا، فلا تصل حقيقة الأمور بل يفعل الضوء فيها فعلته فتبلغه صورها مكسورة، مبتورة، ومشوهة على غير ماهي عليه، وتأتيه دون فهم حقيقي لبواعثها إذ هو بمعزل عنها فلا يكاد يرى بوضوح أو يسمع ما يدور من حوار، ولا يعلم بما يحس به من يقطن وراء هذا الجدار العازل. عل هذا يفسر عزلتهم وعدم اكتراثهم بقضايا مجتمعاتهم مع مضي الوقت فتتضاءل مساحة المشاركة لتصبح اجتماعية موسمية، ويعيش هؤلاء الماضي، يجترونه ويتجرعونه، ربما يفسر هذا حجم حسرتهم فهم رأوا البدايات وعاصروها لذا فهم يدركون حجم الشوط الذي قطعه غيرهم، وأنهم بقوا على حالهم وفي أماكنهم. وفيه أيضا تعليل لتسميتهم كل أمر بما كان عليه في الماضي، ورفضهم لتسميته باسمه الحاضر كأن لا يقول الفرد منهم: حكومة بل يصر على لفظة “ربعنا” ولا ينقصهم أن يتذكروا مثالب الكل ففي انتقاص قدر من تجدد عزاء لمن تجمد، حتى لو كان هذا الانتقاص فرضاً أن جدة أحدهم قبل مئة عام نست أن ترجع ماعونا لجدة المتجمد السابعة عشر!! ولا يعني ذلك أنهم يسكنون الكهوف! فهؤلاء يأخذون من الحاضر أدواته ويكتفون بهذا القدر، فمثلاً هم يسافرون، فيشرقون ويغربون، ويلتقطون الصور وينشرونها على الانستغرام (عطهlike!) ويتلقون المعلومات ويتبادلونها على تويتر. على سبيل المثال هم يعلمون أن البيت الأبيض يقطنه رئيس أسمر اللون، لكن يستحيل أن يفهموا كيف يتم ذلك! بل يرون في هذا آية لقيام الساعة. ويعلمون أن هناك دولاً أوروبية أوكلت شؤون دفاعها لوزيرات، لكنهم يتندرون من هذا ويضحكون. وهنا يفرض ماضيهم حدود فهمهم وإدراكهم للحاضر، ببساطة هم لم يفهموا ولن يفهموا، وهنا تكمن مأساتهم. وكي لا نظلمهم فهم ضحايا ماضيهم، فهم كما قال أحدهم: ألهى بني تغلب عن كل مكرمة *** قصيدة قالها عمرو بن كلثوم أمثال هؤلاء اعتادوا أن يكونا صنّاع الحدث في حقبة ما، بل أن يكونوا هم الحدث نفسه! لكنهم غفلوا أن ما مكنهم في السابق لم يعد يمكنهم اليوم، إذ فقدوا الهمة على المضي وهم يحاولون أن ينتشلوا الماضي بأسره وبجميع معطياته فوق ظهورهم واللحاق بركب الزمن ومتطلباته في آن واحد، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين هؤلاء ومن أراد أن يحتفظ بالتراث ويبقي على التقاليد. لأن من يهدف لإحياء التراث يحي بعضاً من التاريخ وأجزاءً منه يخضعها لفهم الحاضر، في حين أن هؤلاء يودون أن يحيون التاريخ جملة وتفصيلا ودفعة واحدة ككل، ولو أدى هذا لتأخر المجتمع وتعطل الحياة. حتى إذا عجزوا رضوا بالقعود وقنعوا بأن أسبابهم باقية وإن تغيرت المعطيات، وشروطهم ثابتة وإن تبدلت قواعد اللعبة. ثم هم يشكون أهل الزمان، وهل علموا بأن الزمان وأهله مضوا دون رجعة؟ وبعد ذلك تبدأ الحيرة، إذ تراهم يتساءلون مثلا لم ولي فلان هذا الأمر ولم يول أحدٌ منا؟ حتى وإن كان “الأمر” بالغ الأهمية، ومفرط الحساسية وله تبعاته على الوطن بأسره، والشعب برمته لكن هؤلاء يتعاطون مع الوطن من منظور أحادي يدور حولهم وفي فلكهم. أو تراهم يعجبون بأن كريماً في قومه، زار فلان بالإضافة لزيارة الكريم إياهم، لأن تواجد الكريم في مجالسهم هو ما يميزهم. ومن بعد الحيرة غضب ونقمة، فإذ بهم يرمون كل تغيير بالتزلف، وكل تجديد بالبدعة، وكل تطوير بالانسلاخ من القيم التي نشئوا عليها. وهل تنتهي المأساة عند هذا الحد؟ ليت الأمر كذلك، لكن المتجمدين لا يفطمون أبنائهم الماضي، حتى إذا بلغ أبناؤهم أشدهم وجدت متجمداً متحجراً في جسد شاب! هذا الفرد ينتظر من المجتمع أن يلوي عنقه ليكرمّه ويعطيه نظير جهد لم يقم به هو، بل قام به آباؤه وأجداده. هذا الشاب يريد أن يأخذ ولا يعطي، أن ينال ولا يجود، وأن يقـَدّم ولا يُقدِم فأي إنتاج تنتظر من فرد هكذا عقليته؟ وتزداد العزلة جيلاً بعد جيل، ويزيد الغضب تجاه الآخرين إما لأنهم تغيروا أو لأنهم كانوا من أسباب التغيير. على أن المتجمدين يمنون صغارهم وأنفسهم بأن الحاضر بمن فيه عارض من العوارض التي سرعان ما تنتهي، وأمر طارئ وحتما سينقضي، وعندها سيعود الحق لأصحابه! وليت شعري هل عاد التاريخ إلا ليلملم ما وقع منه أول مرة؟ والمتجمدون أمثال هؤلاء من جملة الأشياء التي يأخذها التاريخ، فتُدرس ولا يدرسها أحد. في الأخير وبالمختصر: تجدد أو تجمد..

لغة الأرقام

من نحن

مقدمة في العام 1626 مات العالم فرانسيس بيكون وهو يحاول تجميد دجاجةرغبةً منه في التعرف على آثار تجمد الأنسجة واللحوم، وقيل أن هذه التجربة كان جزءاً من بحث عن سبب للتغلب على الموت إذ كان العلماءحينها ينظرون للموت على أنه عقبة لا نهاية طريق، ونهاية اختيارية لاحتمية. ولا يزال علماء الآثار، وعلوم الانسان يخرجون لنا بكشف عن جثث تجمدت أو حُفظت كما هي بالرغم من مضي آلاف السنين مثل أوتزي وهي أقدم جثة تم العثور عليها في أوروبا وتعود ل3300 قبل الميلاد، وفي كل عام تغازل هوليوود خيال المشاهدين، بأفلام تدور حول إمكانية حفظ الروح البشرية في الجسد الذي تسكنه عبر التجميد، وبعثها في زمان آخر. إعادة بناء جسد أوتزي وتصور هيئته بحسب جثته المتجمدة أما عن ردة فعلي تجاه هذا كله فهي ببساطة: #فكني_يا_شيخ والسبب؟ وجود المتجمدين في الخليج العربي بكثرة لا تدعو للاستغراب أو تثير الدهشة عند سماع أي خبر أو مشاهدة أي فلم. الجمود الذي أرمز له هو الجمود الذي يجعل صاحبه يعيش في فترة زمنية محددة ولا يقبل بأن يتعداها حتى يغدو غريباً عن الزمن الذي يعيشه المجتمع بأسره. إذ يحول الماضي كجدار زجاجي بينه وبين الحاضر ، يستطيع النظر من خلاله لكنه لا يستطيع أن يكون جزءاً مما وراءه. وهو في هذا يصبح منقطعا، فلا تصله حقيقة الأمور بل يفعل الضوء فيها فعلته فتبلغه صورها مكسورة، مبتورة، ومشوهة على غير ماهي عليه، وتأتيه دون فهم حقيقي لبواعثها إذ هو بمعزل عنها فلا يكاد يرى بوضوح أو يسمع ما يدور من حوار، ولا يعلم بما يحس به من يقطن وراء هذا الجدار العازل. عل هذا يفسر عزلتهم وعدم اكتراثهم بقضايا مجتمعاتهم مع مضي الوقت فتتضاءل مساحة المشاركة لتصبح اجتماعية موسمية، ويعيش هؤلاء الماضي، يجترونه ويتجرعونه، ربما يفسر هذا حجم حسرتهم فهم رأوا البدايات وعاصروها لذا فهم يدركون حجم الشوط الذي قطعه غيرهم، وأنهم بقوا على حالهم وفي أماكنهم. وفيه أيضا تعليل لتسميتهم كل أمر بما كان عليه في الماضي، ورفضهم لتسميته باسمه الحاضر كأن لا يقول الفرد منهم: حكومة بل يصر على لفظة “ربعنا” ولا ينقصهم أن يتذكروا مثالب الكل ففي انتقاص قدر من تجدد عزاء لمن تجمد، حتى لو كان هذا الانتقاص فرضاً أن جدة أحدهم قبل مئة عام نست أن ترجع ماعونا لجدة المتجمد السابعة عشر!! ولا يعني ذلك أنهم يسكنون الكهوف! فهؤلاء يأخذون من الحاضر أدواته ويكتفون بهذا القدر، فمثلاً هم يسافرون، فيشرقون ويغربون، ويلتقطون الصور وينشرونها على الانستغرام (عطهlike!) ويتلقون المعلومات ويتبادلونها على تويتر. على سبيل المثال هم يعلمون أن البيت الأبيض يقطنه رئيس أسمر اللون، لكن يستحيل أن يفهموا كيف يتم ذلك! بل يرون في هذا آية لقيام الساعة. ويعلمون أن هناك دولاً أوروبية أوكلت شؤون دفاعها لوزيرات، لكنهم يتندرون من هذا ويضحكون. وهنا يفرض ماضيهم حدود فهمهم وإدراكهم للحاضر، ببساطة هم لم يفهموا ولن يفهموا، وهنا تكمن مأساتهم. وكي لا نظلمهم فهم ضحايا ماضيهم، فهم كما قال أحدهم: ألهى بني تغلب عن كل مكرمة *** قصيدة قالها عمرو بن كلثوم أمثال هؤلاء اعتادوا أن يكونا صنّاع الحدث في حقبة ما، بل أن يكونوا هم الحدث نفسه! لكنهم غفلوا أن ما مكنهم في السابق لم يعد يمكنهم اليوم، إذ فقدوا الهمة على المضي وهم يحاولون أن ينتشلوا الماضي بأسره وبجميع معطياته فوق ظهورهم واللحاق بركب الزمن ومتطلباته في آن واحد، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين هؤلاء ومن أراد أن يحتفظ بالتراث ويبقي على التقاليد. لأن من يهدف لإحياء التراث يحي بعضاً من التاريخ وأجزاءً منه يخضعها لفهم الحاضر، في حين أن هؤلاء يودون أن يحيون التاريخ جملة وتفصيلا ودفعة واحدة ككل، ولو أدى هذا لتأخر المجتمع وتعطل الحياة. حتى إذا عجزوا رضوا بالقعود وقنعوا بأن أسبابهم باقية وإن تغيرت المعطيات، وشروطهم ثابتة وإن تبدلت قواعد اللعبة. ثم هم يشكون أهل الزمان، وهل علموا بأن الزمان وأهله مضوا دون رجعة؟ وبعد ذلك تبدأ الحيرة، إذ تراهم يتساءلون مثلا لم ولي فلان هذا الأمر ولم يول أحدٌ منا؟ حتى وإن كان “الأمر” بالغ الأهمية، ومفرط الحساسية وله تبعاته على الوطن بأسره، والشعب برمته لكن هؤلاء يتعاطون مع الوطن من منظور أحادي يدور حولهم وفي فلكهم. أو تراهم يعجبون بأن كريماً في قومه، زار فلان بالإضافة لزيارة الكريم إياهم، لأن تواجد الكريم في مجالسهم هو ما يميزهم. ومن بعد الحيرة غضب ونقمة، فإذ بهم يرمون كل تغيير بالتزلف، وكل تجديد بالبدعة، وكل تطوير بالانسلاخ من القيم التي نشئوا عليها. وهل تنتهي المأساة عند هذا الحد؟ ليت الأمر كذلك، لكن المتجمدين لا يفطمون أبنائهم الماضي، حتى إذا بلغ أبناؤهم أشدهم وجدت متجمداً متحجراً في جسد شاب! هذا الفرد ينتظر من المجتمع أن يلوي عنقه ليكرمّه ويعطيه نظير جهد لم يقم به هو، بل قام به آباؤه وأجداده. هذا الشاب يريد أن يأخذ ولا يعطي، أن ينال ولا يجود، وأن يقـَدّم ولا يُقدِم فأي إنتاج تنتظر من فرد هكذا عقليته؟ وتزداد العزلة جيلاً بعد جيل، ويزيد الغضب تجاه الآخرين إما لأنهم تغيروا أو لأنهم كانوا من أسباب التغيير. على أن المتجمدين يمنون صغارهم وأنفسهم بأن الحاضر بمن فيه عارض من العوارض التي سرعان ما تنتهي، وأمر طارئ وحتما سينقضي، وعندها سيعود الحق لأصحابه! وليت شعري هل عاد التاريخ إلا ليلملم ما وقع منه أول مرة؟ والمتجمدون أمثال هؤلاء من جملة الأشياء التي يأخذها التاريخ، فتُدرس ولا يدرسها أحد. في الأخير وبالمختصر: تجدد أو تجمد..

كثر زيت، قلل حامض.

img-1

مطعم بيروت..مطعم يعلمه القاصي والداني في قطر، هو أشبه بالمطاعم المنتشرة في ربوع الوطن العربي والمتخصصة في طبق واحد فقط كمطاعم الكبدة، وأكشاك الفلافل، ومحلات الشاورما التي تبيعك صنفاً واحداً أو صنفين على الأكثر وترتبط بذاكرة روادها أوثق مما ترتبط بمحافظهم وبطونهم إذ يمثل الطبق أكثر من مجرد وجبة يسد المرء بها جوعه. أذكر ذات يوم أني صحبت أحدهم إلى مطعم بيروت بعد صلاة الفجر، حيث السكينة لم تغادر الشوارع هرباً من الزحام، حتى إذا جلسنا سأل صاحبي النادل: شعندكم؟ صُعق النادل، وفغرت فاي وأنا أرد عليه ملوحا بزيتونة في يدي عوضاً عن قضمها: مطعم بيروت! مطعم بيروت! يا حمص يا فول..*[1] “حقك علينا معلم” قلت معتذرا من النادل وبيّنت له أن صاحبي ارستقراطي انستجرامي يتفطر في الفنادق ذات الخمس نجوم فقط، ويصور طعامه للانستجرام أكثر مما يأكله. لكن صاحبي المكتنز ضاق ذرعاً بشح الأطباق، فأشار إلي أن اتمهل ريثما يتواصل مع المعلم، وعدل من نظارته وسأل: “حمص فول.. بس؟” ولفظه لكلمة بس كان كأنه شاعر مراهق في أمسية يقف على شطر بيت قبل أن يتعداه لآخر، أو كمذيع لبرنامج نفسي صباحي في قناة إذاعية. نظرت ذات اليمين والشمال، وأنا اطلب الستر من عنده سبحانه، أي رجل يسأل مطعم بيروت عما يقدمه؟ إلا إذا كان سائحاً، أو ساذجاً، أو كلاهما مجتمعين في شخص واحد. انتفض المعلم، وقد أحس بوقع الإهانة فقال في كل زهو وفخر: كيف بس؟ كيف بس؟ لا أخي! فيك تقلل زيت أو تكتر حامض. وصاحبي هذا والحق يقال يعد معجزة في الرياضات، وشهادة للتاريخ أيضاً فهو أخرق في كل شيء آخر. سأل وهو يحدج النادل بنظرة الشك: يعني أنت لا تملك إلا متغيرين رئيسيين هما الحمص والفول، ومتغيرين فرعيين آخرين هما الزيت والحامض.. صحيح؟ اشفقت على المعلم الخمسيني الذي وجه كلامه لي: شو عم يقول صاحبك أخي؟ نظر إليه صاحبي مبتسما والتقط قلماً من جيبه وراح يرسم هيكلة للاحتمالات يوجد على رأس الهرم كلمة حمص، وتتشعب من هذه الكلمة (عادي، قلل زيت كثر حامض، قلل زيت قلل حامض، كثر زيت كثر حامض، كثر زيت قلل حامض) ثم هم الأخ يشرح في الساعة الخامسة فجراً باب الاحتمالات الرياضية فقال للمعلم: بحسب ما ذكرت من متغيرات فأنت تقدم 5 أصناف من الطبق الواحد دعني أشرح لك.. انفجر المعلم: أخي حمص، أو فول، أو حمص فول مكس؟ صار صوته يتهدج ويرتعش في عصبية فبدا وكأنه يغني لا يسأل. ضحكت بعصبية قائلاً: معلم.. واحد حمص واحد فول الله يخليك، قلل زيت كثر حامض. وإذ بصاحبي يقول وكأن فتحاً هبط عليه من السماء بعد الفراغ من خربشته على المحرم الورقي: خمسة عشر صنفاً هو كل ما يملك! وأخذت آكل الزيتون بعصبية بالغة، ورجع المعلم بصحني الحمص والفول وهو يقول: حمص، وابتسم نحوي حتى رأيت حشوة بنواجذه، وكاد يرمي الطبق في وجه صاحبي وهو يتلفظ بكلمة فول التي هربت من شعيرات شاربه المفتول ومن بين أسنانه التي كز عليها. نظر إلي قائلا: فلفل أخي؟ تهلل وجه صاحبي وأشرق ولم ينقصنا سوى صوت قيثارة ليكتمل المشهد الملائكي وهو يحسب همساً قائلا: “ثلاثين! الاحتمالات زادت ثلاثين يا معلم” وابتسم وكأنه ينتظر أن يرسم له المعلم نجمة على صحن الفول من الزيت زيتون لأنه طالب نجيب. امسك المعلم بقطعة قماش كانت مسدله على كتفه المنحني بفعل تقدم العمر، مسح بها وجهه طويلا وببطء شديد حتى قلت ستتغير معالم وجهه، كل هذا وأنا اسمع صوت استغفار من خلف القماش. نظر طويلاً، وبما أننا نتحدث عن الاحتمالات فعل الاحتمالين في عقله البسيط بمتغيراتهما كانا: الاحتمال الأول: يصفعه بصحن الحمص أو الفول؟ أو الاثنين معاً وإن كان فما هو أول ما يصفعه به؟ الاحتمال الثاني: يستغفر الله ويمضي وشأنه، ويتصدق دفعاً للبلاء. مضت برهة ثم إني أحسبه اختار الاحتمال الثاني. أخذت آكل الزيتون بغضب وأرمي صاحبي بالنوى قائلاً: بسم الله، الله أكبر! احتمالات ها؟ بسم الله، الله أكبر! متغيرات. ها؟ بسم الله، الله أكبر.. يا شيخ ارجع إلى بوفيه الفنادق وإفطار الطبقة الارستقراطية إفطار “كونت نينتك” تبا لك ولرياضياتك. وهو يقول: أنت تجهل جمال الرياضيات والإنسان عدو ما يجهل. “كل وأنت ساكت، كول واشكور” (ومددت الضمة في كل من كلمتي كُل واشكُر مد متصل ست حركات) أما عن السبب الذي دعاني لاستحضار هذا الموقف، فهو ما أراه جملةً وتفصيلاً في كل ما يواجه المنطقة من قضايا مصيرية وملفات أمنية، وتحديات اقتصادية، ومشاكل اجتماعية، سواء تعددت بدءًا من داعش، ومعدلات بطالة الشباب، إلى أسعار النفط وغلاء العقار وقيادة المرأة كلها ملفات تحوم حلولها في فُلك (كثر حامض قلل زيت) يا سادة، يا مسؤولين، الحياة بمتغيراتها المتسارعة أعقد من طقم محدد من الحلول التي يتم تجربتها على الجيل تلو الجيل إما بخفضها أو رفعها، أو سنها وحذفها، أو التغليظ في عقوبة مخاليفها تارة ثم التساهل في أمرها. هذه الحلول هي ذاتها بنكهات أخرى، أي تحت مسميات مختلفة ويتم طرحها عبر وجوه أخرى لكن الحمص حُمُّص وإن كثر زيته أو قل حامضه ولن يغير حقيقته ألف “تنكة” زيت زيتون! لا ولن يفرق الطعم إطلاقاً إن قلنا أن الحمص مستديم التنمية، والفول متنوع المصادر. ولن يغير من هذا الحل طريقة تقديمه، تماما كما لن يغير حقيقة الحمص ما قُدم فيه جفنةً كانت أو قصعة أو صحناً. ولن يغير هذا الحل أيضاً من يقدمه سواء كان خبيرا أجنبيا أو مواطنا عربيا كالفول الذي لن يتغير سواء كان من يقدمه من أهل “أهلين” أو قوم good morning أو عرب bonjour! بل أن المثال لا يستقيم فصار قياسا مع الفارق، والفارق تطبيقكم لهذه الحلول لأن مثال الحمص والفول أعلاه يفيد اختيار صنف دون أصناف أخرى وأنتم أطعمتمونا كل صنف فإن لم نأكله نحن فقد أكله آباؤنا من قبل! فصارت الاحتمالات وقائع، والمتغيرات متجمدات-إن صح تسميتها بذلك- لأنها لا تواكب العصر ولا ترق لحجم هذه التحديات. إي طامة هذه أن يكون الحل جزءا من المشكلة؟ فننصرف عن المشكلة لمعالجة الحل الذي وجد من أجلها؟ نعم حلقة مفرغة، ودوامة لا نهاية لها، ومأساة يضيع العمر في سردها. يا جماعة تعبنا من الحمص والفول عقداً بعد عقد.. وفي غياب قدرتنا على دخول المطبخ وتحضير طعام يسد جوعنا، ويلقى استحسان ذائقتنا في آن واحد، يبقى أمرنا مرهوناً بمجرد الطلب وعليه ممكن نغير الحمص والفول لو سمحتم؟ مشاوي مشكل شعب مثلا؟ ولا كوول واشكوور؟ (مع مد الضمة في كل من كلمتي كُل واشكُر مد متصل ست حركات) ======= [1] طبعاً لم يسلم المطعم من العولمة فتم إضافة أصناف عدة لها متغيراتها وهي أكثر من أن تحصى اليوم كالفلافل والمسبحة..

بطل لليلة واحدة

img-1

هذه الرواية حقيقية في عالم وهمي. === ها أنت ذا! اقبل ووجهه متجهم بعض الشيء ويبدو عليه بعض الحرج. “مرحبا براندون، ما رأيك في هذا التعذيب الذي تعرضنا له؟” سألت وأنا أضحك، إذ خرجنا للتو من امتحان لمادة هندسية وقد عُرف عن أستاذ المادة أنه يأتي بامتحانات تعجيزية، لكن ليس السماع كالمعاينة وقد كان مستقبلي ومستقبل براندون مرهونا بنجاحنا في هذه المادة وفي فصلنا الأخير من دراسة الجامعة. “هناك مكان مخصص في الجحيم لمثل هؤلاء الأساتذة الجامعيين!” قالها وأكاد أقسم أني سمعته يكيل الشتم والسباب للأستاذ الجامعي ولم أعهد هذا منه قبل ذلك. “ما هذا؟ يظهر أن مرتادي الكنائس يحسنون السباب أيضا؟” ضحك وهو يقول ” هم من اخترعوه أصلا!” ثم أخذت تعابير وجهه موضع الجد فقال: رائد.. يجب على الاعتذار يا صاحبي عما تعرضت له ليلة البارحة في بيتي، حين كنت أبحث عن الكتاب الذي حدثتك عنه في الغرفة الأخرى فقد أخبرتني زوجتي بما جرى لك وأخي الأكبر. لا بأس يا براندون، ما كان هذا ليغير من نتيجة الامتحان من شيء! “كان بإمكانك المذاكرة!” رفع حاجبيه وزم شفتيه وهو يلوم نفسه ولكني فعلت بعد الخروج من منزلك، فكان الامتحان قطعة من جحيم مستعر كما رأيت واصدقك لو أني ذاكرت لامتحان كهذا عمري بأسره ما زدت على ما “هببت” أحقاً ذاك؟ ما الذي تعنيه؟ أعني أن لقاءك ب “سام” وهو ثمل وطلبه منك أن ترحل عن البيت.. لا عليك، أعلم أن الكثير يؤلمهم ما حصل قبل بضعة أشهر في نيويورك، ولا ألومهم تماماً فالكثير فقد حياته، وهناك حالة من الاحتقان وغضب. صحيح لكن لم يكن لك شأن في أي من هذا! لا عليك. “ما رأيك لو ذهبنا لمطعم بالقرب؟” أشار على ولم أجد حرجاً في تلبية دعوته. جلسنا في مطعم قريب من الحرم الجامعي، ليس الأثاث في هذا المطعم البالي كما يتخيل الناس المقاهي الحديثة، حيث موسيقى الجاز والأثاث الذي يبعث في الارتياح في النفس. بل ليس هذا الجزء من الولايات المتحدة الأمريكية كما يتبادر لمخيلتهم، حيث لا ناطحات سحاب، ولا سيارات فارهة، أو صخب أو أي شيء من هذا القبيل في قرية ليك تشارلز الجامعية التي تنام مع آخر محاضرة! اللهم إلا بعض النواد والمحلات هنا وهناك. كانت رائحة القلي تعم المكان، جلسنا وإذ بسيدة مكتنزة شعرها أهوج يحيط بوجهها وقد تدلت الاف المفاتيح من عنقها، وتنظر إلينا من خلف نظارة سميكة تكبّر عينيها إلى حد تبدو معه كأنها بومة عظيمة! إلينا هو اسمها وهي صاحبة المطعم، والقائمة على حساباته، والنادلة أحياناً والطاهية أحياناً أخرى لكنها في كل من هذه الأدوار تبقي على جوهرها وهو التذمر من رداءة عمل من تحل محله، أو تقوم بدوره فمثلاً تسمعها تهمهم عند الآلة الحاسبة وتتذمر من الآلات العديمة النفع التي تحسب سعر الأشياء وتجهل قيمتها! أخذت تقترب منا، إذ كانت تسد مكان النادلة، ألقت التحية ثم تساءلت: أنتم هؤلاء الأذكياء من كلية الهندسة أليس كذلك؟ ابتسمت قائلا: صحيح لكن لا أظن أننا أذكياء بحسب امتحان اليوم. تصنعت الغرابة والدهشة، وأومأ براندون برأسه قائلاً: هذا صحيح! “بربك؟” تصنعت الدهشة فأجاب “إنه أحد هذه الامتحانات التي يجعلك تتساءلين في منتصفه ما الذي أفعله في حياتي؟ ولم أعرض نفسي لهذا البلاء؟ احت: تبا لهؤلاء الأساتذة…! رفع عجوز رأسه ناظراً إليها فسارعت: لست منهم بروفيسور! أنت مثال لما ينبغي الأساتذة عليه يا عزيزي. ثم التفت إلينا وهي تضحك قائلة: اعلم ما الذي تحتاجانه. توجهت نحو المطبخ بعد أن قيدت ما طلبنا، ولم يكن بذاك البعد لكنها تفعل ذلك لتتذمر من شيخوختها، وعظامها، والضرائب التي تطالبها بنصيب من الأرباح ولا تتساءل عن الخسائر والجهد الذي تكبدته في تحصيلها وجنيها. تسمرت عيناها نحونا ووجهت فمها نحو المطبخ حيث الكثير من الجلبة والدخان وأصوات القلي وروائح الشواء، “قلتما بأنه كان جحيما؟” صرخت وهي تضحك ثم أعادت وجهها كاملاً نحونا وهي تضحك وهي تقول: “أنتم في ضيافتي اليوم، لكن أتمنى ألا تجعلوا من هذا الأداء عادة حيث لدي عمل لأديره وليس ملجأً للتعساء. يوم آخر وامتحان آخر فلا عليكما” ورجعت إلى عشها بكل حذر وبطء، حيث تجلس خلف آلة حاسبة تصدر رنيناً وتخرج بأوراق بالية لا يراجعها أحد فإلينا كانت جزءا لا يتجزأ من معالم الجامعة، والطلاب ما هم إلا أفراد عائلتها التي تجهل أسمائهم. انتهينا من الوجبة، والتي كان لا بد من شكر إلينا عليها، والحق أنه وبعد العديد من الأعوام استطاعت إلينا بكرمها من أن تصيّر بؤس ذلك اليوم إلى ذكرى احتفظ بها. ثم أثناء عودتنا إلى مواقف السيارات بالحرم الجامعي جعلنا نتبادل أطراف الحديث وإذ ببراندون يقول لي: أنت تعلم بأني من رواد الكنيسة وأني لا أشرب الخمر، لكن فضل هذا يعود لأخي الذي صادفت بالأمس. نت أستطيع التعقيب بكلمة، بسؤال أو أي شيء لكن يتفق أحيانا أن نبحث عن الفرصة أو الشخص أو الوقت الذي نقول فيه كل ما يجول بخاطرنا، لا يهم حقيقة أو هوية الشخص بقدر ما يهم ما يجول في ذاتك حينها وقد كان براندون في ذلك الحين بحاجة للحديث عن أخيه في تلك اللحظة لأي أحد، وقد كنت ذاك الأحد الذي استمع له. أكمل وهو ينظر أمامه: يبدو هذا غريباً أليس ذلك؟ أن يصدر هذا من ثمل كأخي سام! م أنه قص على تفاصيل تلك الليلة، والتي أدونها هنا عل في حياتكم أنتم أبطالاً يختلفون عن سام لكنهم أبطال لكم أيضاً. عدما ظهر البطل لأول مرة. حدث هذا في أول عام من التحاق براندون بالجامعة. ذلك أن صاحبته والتي ارتبط بها مذ أن كانا في المرحلة الثانوية قررت ذات يوم أن ترتبط بآخر، في هذه السن المبكرة كثيراً ما يتفارق ويتلاقى الأحبة! لكن براندون ولحداثة عهده بالحب، ظن أن ارتباطه سيكون بامرأة يربطه وإياها ماض ما، في حين أن الحياة تفاجئك فتربطك بالبعيد وتحل وثاق القريب، وعل صغر سنه حينها يعلل مدى حالة الثمالة التي بلغها في تلك الليلة التي لا يذكر منها أي شيء سوى أنه وجد نفسه على قارعة طريق، جلس على الرصيف، ألقى بيديه على العشب الرطب بالقرب منه وإذ به يسمع صراخاً وضحكاً من بعيد. هذه الأماكن التي يهجرها الضوء لكن الأصوات تظل تنبعث منها إما همسا أو تنفجر دوياً، علك تسمع نداء اسم ما، خطوات بشر، مواء قطط، صرصرة صفيح، صفير رياح، دوي محرك سيارة أو أصوات ارتطام قناني الزجاج على الأرض الاسمنتية. المهم أن تسمع صوتاً ما لأن الحياة تصر دائماً على أن تبقي من البراهين ما يدل عليها في كل حي مهجور، وفي كل بيت خرب، وفي كل زاوية، حتى في صدور المرضى الذين لا يرجى لهم الشفاء. ومن يدري؟ عل الحياة مثلنا معاشر البشر تخشى الموت وتبقي جاهدةً على أثرها في كل شيء، ومتى كانت هناك حياة كان هناك قليل من الفرح والكثير من الأحزان. وهنا وصل صوت أجش إلى مسامع براندون، صوت رجل مخمور أيضاً، إذ أن الكلمات التي كان يترنم بها كانت مبعثرة في غير قافية أو وزن. قال براندون بصوت عال تداخلت حروفه “هي يا صاح، أنت لا تحسن غناء هذه..” ثم سكت وهو يتعرف على صاحب الصوت، كان ذا قامة طويلة بالرغم من ترنحه، يلبس قبعة وفيه من الملامح ما لا يُنكر قرابته ببراندون. نظر إليه “ما هذا؟” وكأنه لا يصدق عينيه.. “براندون؟ أهذا أنت؟” – ابتسم ابتسامة لا تحمل في طياتها سوى الدهشة. ثم قال: تبا! أخي الصغير مخمور. ما الذي دهاك يا فتى؟ نظر إليه، لم يتمالك نفسه “مرحاً! إنه سام! تعال تعال انظر إلي في مثل هذه الحالة “ودفن وجهه وجهش بالبكاء كالطفل فجأة، دنا سام منه جلس بجانبه…وكما يذعر الكبار لبكاء أطفالهم المفاجئ أخذ يربت على كتفه ويهدأ من روعه قائلاً: ششش..هون عليك يا صغير، ما الخطب؟ “كل شيء..كل شيء أنت، أبي وأمي والآمال التي يعقدانها علي، والجامعة والآن..” هكذا أجابه براندون. نهض غاضباً واختلط صراخه بأنوار تضاء من البيوت المجاورة وصراخ أصحابها “أنت يا هذا، نحن نحاول النوم هنا” نهض سام وهو يضحك ويكيل السباب لصاحب الصوت، وفي نفس الوقت جر يد براندون إليه ليجلس على الرصيف بجانبه، وأومأ له بأن يخفض صوته. “والآن…؟” اكتسى صوت سام الجد، وأخذت قسمات وجهه تشيّع الثمالة، لم يبق إلا حمرة وجنتيه وعينيه. كان مخموراً كما كان براندون لكن علها المناعة أو الخبرة التي جعلت منه قادراً على الافاقة من السُكر أو الرجوع إليه متى ما احتاج لذلك هدأ “الآن ماذا؟” قال براندون وهو يكفكف دموعه. “ما هو السبب الذي بجانب كل شيء، بجانبي ووالدنا والجامعة الذي دفعك للشراب؟” “مولي وأنا..” وهنا توقف وكأنه لا حاجة له لإكمال البقية ليُفهم سام ما تبقى، وفي الحقيقة لم يبق شيء. “اها..! قلب محطم والكثر من الغضب والمرارة” كان مجرد التلفظ باسمها وحالة براندون كفيلة لأي شخص حتى وإن كان ثملاً باستيعاب نهاية قصة الحب التي كان مصيرها الفشل حتما. ثم اتبع فقال: “دعني احزر، واعدت مولي شخصاً آخر؟” “نعم..” “وهذا هو الذي دفعك للشراب؟” ضحك واتبع قائلاً “أنت تسيء حتما لسمعة المخمورين في أنحاء المعمورة يا عزيزي. هناك من الأسباب ما يدفعك لتكون..” ولمس مقدم قبعته وهي نوع من التحية التي يلقيها أهل الجنوب في الولايات المتحدة الأمريكية لبعضهم البعض، وأراد بها الإشارة لنفسه. “اسمع يا براندون، هناك الكثير من المصاعب في هذه الحياة، الكثير حتى لأن الحياة تثير دهشتك لمدى تفننها في محاولة سحقك. لكنك تملك ما لا أملك، وعليه فأنت لا تستطيع معاقرة الشراب يا عزيزي.” “أملك ولا تملك؟ عما تتحدث؟” ضحك “أنت مخمور ولا شك يا سام” شاركه الضحك “يا للهول أخي..المخمور..عبقري، أو.. أخي ..العبقري..مخمور..لا يهم” دعنا والضحك جانبا “الأمل…!” قال سام بدون حاجة للتفكير “نعم الأمل إذ أنك تمثل أملاً لوالدي، لي ولمن حولنا. أنت قصة نجاح ينبغي لها أن تكتب، غد نتطلع له جميعاً، وطريق شق علينا لكننا نعلم أنك ستقطعه، لذا لا تدع من مطب يسير في حياتك كتخلي أحدهم عنك يجعل منك رمي هذا كله. ما معنى هذا؟ حسناء هربت إلى أحضان شاب آخر، أهذه نهاية المطاف؟ ألم يلقنونكم في الجامعة تعداد البشر على سطح هذا الكوكب؟ هناك الكثير مثلها بل من يضاهي حسنها وشخصها” ماذا لو لم أرد الأحسن؟ ماذا لو أردتها هي؟ هل توقفت لتفكر في ذلك قبل.. “براندون أنصت إلي، استطيع أن أقول مثل هذا الكلام واتشدق به، ويستطيع غيري كذلك إذ أن حياتي ملكي وليست حياتك كذلك، مهلاً..” أخذ يعيدها همسا ثم ابتسم قائلاً لست بذلك السكر..! نعم حياتي ملكي وليست حياتك كذلك. هي ملك جميع من حولك وهذا قدرك” اكتسى الألم وجه براندون “ماذا لو رميت بهذا كله؟ لم تفرضون علي أمرا لا طاقة لي به؟ أنا لم اختر أن أكون الناجح والابن المثالي أو ذلك الصياد الذي لا يفوت موسم صيدٍ واحد مع والده” “ولا أنا اخترت يوماً أن أكون ذاك الأخ المخمور عديم النفع..” قاطعه سام ومضى بعض الوقت وهما ينظران لبض دون أن يتحدثا، نظر سام إلى السماء والتقط سيجارة من خلف أذنه فأشعلها ثم قال: “سأغدو يوماً ما رئيساً لهذا البلد” أتذكر هذا الحلم الذي صدعت آذاني به في الصغر يا غلام؟ أنا الآن موقن بهذا الحلم وإن تخليت أنت عنه. مرت سيارة مسرعة بجانبهم تسبقها الأضواء وتلحقها الضوضاء حتى خفتت أصواتها وعاد للشارع سكونه وظلمته خلا بعض الأنوار الخافتة وحديث الأخوين. أتذكر اليوم الذي بكيت فيه قائلاً أن رالف السمين قد سرق دراجتك؟” “نعم..” ضحك براندون “ما الذي يذكرك به الآن؟” “أتذكر ما فعلت به؟” “أوسعته ضرباً وأعدت إلي دراجتي؟” “تماماً كما لو كنت سأفعل مع مولي لأعيد لك قلبك! لكن ليس كل ما يسرق أو يحطم، يستعاد أو يرمم. أنت الآن رجل يقال هذا من باب التعزية، أن الرجل يظل صبيا حتى يُكسر قلبه. والآن انهض، وارم عنك هذا كله، دعنا نفكر في عذر أقوله لوالدك لتمضي الليلة مع أخاك عديم النفع. تخيل هيئة والدتك!” ضحك براندون “ستذهب للصلاة حتما..” انفجر سام ضحكاً “هذه العجوز تحسبني الشيطان دائماً..” انطلق نفس الصوت من البيت.. “:اصمتا نحن نحاول..” “جرّب الموت بدلا من النوم هذه المرة!” صرخ سام وهو يضحك وأخذا يتعثران في مشيهما، ويسترجعان بعض ذكرياتهما معا حتى ولجا البيت وانقضت الليلة.. وفي صبيحة اليوم ابتعدت شيئاً فشيء عن كل ما قد يثير في الضعف نحو الشراب، وقد ظل كلام سام لي رادعاً وهدفاً أسعى لتحقيقه. عله محق فيما قاله، أستطيع فعل الكثير عبر حياتي من أجل الغير، لذا فأنا أعيش لغاية أسمى من شخصي. اعذرني هل ظهر سام مرة أخرى؟ أعني بهذا القدر من الوعي، أو الحضور. “لا..” أجابني بحسرة، “كثيراً ما حاول أن يتوقف عن هذا الإدمان، التحق بالكثير من المصحات، ومراكز العلاج، جرب الكثير من الطرق كبرنامج الاثني عشر خطوة لكنه سرعان ما كان يتعثر في الخطوة الثالثة وفي كل زاوية يوجد هناك من يدعوه لشرب كأس، وفي كل يوم هناك لحظة يود الهروب منها من الدنيا إلى نفسه” “وما هي الخطوة الثالثة؟” سألته وقد غلبني الفضول. “أن تعقد أمرك بأن تسلّم إرادتك وحياتك للرب حيث أنك تفهمه” ابتسم قائلا: “بقي أن تعرف أن سام كان يواظب على العمل الكنائسي، وعلى حضور دروس الأربعاء” صمتنا برهة، فقال: “أنت تود سؤالي عن الزمن الذي تحول فيه والسبب الذي دفعه لذلك” تبسمت: “لا أنكر ذلك..” واصل حديثه: “هذا التحول لم يكن ذا سبب، ولم يأت دفعة واحدة ولا أظن أن أحداً يستطيع الإجابة على هذا السؤال سوى سام نفسه. أذكر أن قابلية الإدمان لديه كانت عالية جداً مذ الصغر، كان مهووسا بكل شيء يسترعي انتباهه سواء كرة القدم الأمريكية التي كان يعد نفسه للالتحاق بدوري المحترفين فيها، أو دروس الكنيسة التي برع فيها وراح يحفظ صفحات من الانجيل لمناظرة أقرانه. الأمر الذي أستطيع أن أقوله هو أن العديد من القرارات المصيرية في حياتنا قد تحدده مواقف يسيرة وأمور بسيطة تماماً كما جرى لي في تلك الليلة. من كان يدري ما تؤول له حياتي إن كان صاحب الصوت غير سام؟ لو أن الحياة لفظت شخصاً آخر من هذه الطرقات المظلمة؟ وحقيقة أنا حائر. هل الأمر عبثي لهذا الحد؟ أم أنه مقرر سلفا. تستطيع أن تنظر للأمر من كلا الناحيتين دون أن ينقص هذا أياً من التفسيرين. الغريب هو أني علمت صبيحة اليوم التالي بأني كنت جالسا قرابة بيت سام حين عثر علي دون وعي مني أو قصد. فهل كان هذا جانباً مني يرغب في النجاة دون وعيي التام به؟ وكيف لهذا الجانب أن يطرق باب الشخص الذي استطاع أن ينقذني من هذا كله؟ لِم قصدته دون غيره من الأهل والأصدقاء؟ هل جلس هو ذات يوم على قارعة طريق كما فعلت؟ هل انتظر ليلة بعد أخرى أن يظهر له من ينقذه فلم ترمي له الطرق إلا بمن يصحبه لحانة أخرى حيث يغرق في إدمانه؟ يقينا لا أدري، وأظن أن الخطوة الثالثة هي حيث أؤمن بأنه ما كان لأحد سوى سام بالظهور في تلك الليلة وفي ذلك المكان لكني لا أستطيع تصديق ذلك تماماً. مضت بضع خطوات لنا دون أن نتحدث فاتبع: أتدري؟ أنا أعلم أن زوجتي بيث قد تذمرت لظهور سام البارحة، وكذا يفعل والدي حين يراني أمضي وقتاً معه عوضاً أن أمضيه في المذاكرة، هم يكبرون فيّ المحاولة مرةً تلو الأخرى دون كلل أو ملل. أي جدوى هي حين ترى بطلك يغرف من السموم حتى يغرق مرة تلو الأخرى دون أن تستطيع أن تنتشله من بينها وحين غرقت أنت جاز بك لشاطئ الأمان من أول محاولة؟ في كل مرة أنظر فيها إليه أبحث عن أخي الذي رأيته في تلك الليلة، ولا أدري إن سألقاه مرةً أخرى. ليتهم التقوا به، إذا لضحوا بكل شيء ليلقوه مرةً أخرى. شخص يضج بالحياة، يفهمك ولا يحكم عليك يبتسم ولا يخجل من أن يتفوه فجأة ثم يراجع ما يقول، بخلاف هذا الحطام البشري الذي رأيته بالأمس. أنا قديس في أعينهم بالرغم من فشلي كل ليلة، وسام شيطان في أعينهم بالرغم من نجاحه في تلك الليلة الوحيدة. ولا زال يؤرقني سؤال طرحه على في تلك الليلة” “ما هو؟” سألته وأنا لا أكاد أتصور حجم معاناته وهو يحاول عبثاً أن يصف معالمها. سألني حينها: هل ستغرق معي؟ أم تكتفي بمشاهدتي أغرق؟ وبالرغم من محاولتي لأقناعه بأنني سأنقذه ذات يوم لكنه ظل يسأل نفس السؤال في كل مرة. “هل ستغرق معي؟ أم تكتفي بالمشاهدة؟” وقف ونظر إلي قائلاً: “والآن يا صديقي شكراً لاستماعك، لكن علي البحث عن سام في شارع الحانات هناك فأنا لا أريده أن يقع في المزيد من المشاكل” “على الرحب والسعة!” صافحته ومضيت وشأني. واليوم وبعد سنوات طوال، لا أزال بين الفينة والأخرى أتساءل عما حل بهما؟ هل اكتفى براندون بالمشاهدة؟ أم غرق معه؟

أشدهو ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله!

img-1

مقدمة: سأل النبي -صلى الله عليه وسلم – جارية جاء بها سيدها ليعتقها فقال لها الرسول : أين الله ؟ فقالت: في السماء، قال من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة (رواه مسلم) ======= ( “لا. أكيد ثمة خطأ ما..” هكذا كانت ردة فعلي لأم مشعل وهي تعلمني بأن ابنتنا منيرة ذات الثلاث سنين ونصف ستمتحن الأسبوع المقبل. ناولتني قصاصة مطبوعة وإذ بها ما يلي: جدول امتحانات مرحلة الحضانة: الأحد: رياضيات (العد من 1-15) الأثنين: لغة إنجليزية A-C (تحريري وشفوي) الثلاثاء: علوم (الحواس الخمس) الأربعاء: لغة عربية حروف أبجدية من أ – خ (تحريري وشفوي) الخميس: دراسة إسلامية (سورتي الفاتحة والناس – اسم الرسول عليه الصلاة والسلام و اسم والده ووالدته ومرضعته) فغرت فاي، نظرت إلى أمها وأنا أقول: لكنها ابنة ثلاث ونصف فلم هذا كله؟ أليس هذا مبالغاً فيه بعض الشيء؟ وفي اليوم التالي، اصطحبت منيرة صباحاً إلى المدرسة وأثناء الطريق المزدحم حيث تلجأ هي إلى مشاهدة الرسوم الكرتونية، وألوذ بسماع الكتب الصوتية قررت أن أعلمها الشهادة! جلبت انتباهها في المنظرة فنزعت السماعات عن أذنيها، ثم قلت: منيرة قولي معاي… منيرة: معاي أنا: لا، لحظة! منيرة: لا لحظة.. “تباً! البرمجة في عقلها الصغير تحتاج لتحديث!” رحت أحدث نفسي. سعلت لأفصل بين حديثي وتقليدها إياي، ابتسمت وأنا انظر إلى صورتها في المرآة وقد فتحت فمها استعدادا لتقليدي.. فقلت: أشهد ألا إله إلا الله كررت في حماس ما تسمعه، وقد غلب الخطأ على الصواب، وتصادمت الحروف عند مخارجها، فاختلطت الكلمات، وضاعت المعاني! وجعلت استغفر الله من أن تنزل بنا صاعقة. وبعد ربع ساعة (وربع ساعة في شوارعنا تقدر بمسير مترين ونصف في زحمة الصباح) أخذت أعيد الشهادة بقصد ضبط الحروف وصياغتها أشهدُ (قلت هذا في نبرة مسلسل تاريخي ذو ميزانية محدودة) منيرة: أشدهو أنا: أشهدُ منيرة: أشدهو أ..ش..ه..د (قطعت الكلمة واعترف لاحت مني حدة لخوفي من أن تتعثر عن ركب أقرانها، وحرصي على أن تتفوق في دراستها) ارتعشت شفتاها واغرورقت عيناها بالدموع ثم أخذت تجهش بالبكاء وتقول: ما ابي سكول، ما ابي سكول أبي ماما.. هنا رجعت لنفسي، ما الذي دهاني؟ وهل يستحق هذ كله دموع صغيرتي؟ هدأت من روعها، وداعبتها، وما زلت بها حتى عادت لتضحك وتسأل عن كل شيء وأي شيء. وأثناء حديثي معها فكرت، ما الذي أريده منها في هذه المرحلة؟ – أن تتأقلم وفكرة الابتعاد عني وعن والدتها لبضع ساعات يومياً – أن تدرك أن هناك واجب عليها أن تقوم به قبل أن تخلد لنومها – أن تتعرف على حروف الأبجدية العربية والإنجليزية وبعض من الأرقام وقد قامت بهذا كله، فلم هذا الافراط في الحرص من جانبي؟ ولم الامتحان أصلا؟ ولأفرض أنها نطقت الشهادة كأحسن ما سمعت من مخارج للحروف؛ هل أدركت فكرة الخالق في هذا السن؟ وهل تعقل فكرة الرسل وقد غابت هذه الفكرة عن الكثير ممن هو أكبر سنا من ابنتي سواء في عهد النبوة أو في زمننا هذا؟ تذكرت حديث الجارية حين سألها ﷺ أين الله؟ فأشارت إلى الأعلى- بأبي وأمي هو- كان بسيطا في تلقين الإيمان فما بالنا نلقن الشهادة لهؤلاء الصغار بل نمتحن حفظهم لا ادراكهم؟ وصلنا بعد عناء الزحام ولم أفارق المدرسة إلا وقد طبعت قبلة على خدي كما اعتادت قبل أن تدخل الصف. وفي مساء ذلك اليوم جلست بجانبها ودار هذا الحوار بيننا: منيرة قولي “أشهد ألا إله إلا الله..” أش..وأخذت تفكر وأكملت: دهو ألا إله إلا الله.. نظرت إلي وانتظرت، بدت قلقة.. تَبَسمْت في وجهها سألتها: تدرين من الله؟ هزت رأسها بالنفي. قلت: شفتي المطر؟ الله ينزله. والقطط والأشجار وبابا وماما، الله سوانا. ومشعل؟ ضحكت ومشعل أيضا! (يمثل أخوها الصغير مشعل فرضية لكل نظرية، وشرط لكل قانون فإن احتاجت للدواء سألت إن كان مشعل يحتاجه؟ وإن طلبنا منها أن تذهب للنوم أصرت أن يذهب مشعل للنوم أيضاًّ) سألتها: تدرين وين الله؟ نظرت إلي مستغربة، وينه؟ فأشرت إلى فوق.. فأدركتها دهشة ذهبت إلى النافذة، فوق الstar؟* قلت نعم! وتدرين من محمد ﷺ؟ من؟ رجل يحبنا، علمنا شلون نسوي الله أكبر -أي الصلاة-وبعدين قال لنا: أن الله فوق يحبنا. الله يحبج ماما؟ يحبها، وأعطاها منمن. ضحكت وضحكت معها. الله يحبج منمن؟ أكيد لأن منمن شاطرة وتصلي وتسوي الله أكبر. الله يحبج بابا؟ وقع علي السؤال كالصاعقة، وانعقد لساني..أدركتني الرقة؛ عَل السبب هو براءة الأطفال واختلاطها بالفطرة. أليس هذا أجل ما نصبو إليه؟ أن يحبنا الله؟ ثم أليس من السهل أن نصف علاقة العبد بربه، ونقول طمعاً في رحمة الله أنه أراد الخير لفلان من الناس إذ ابتلاه؟ لكن، حين يتعلق السؤال بك وأنت اعلم بما أذنبت في حياتك تكون الإجابة أصعب نوعاً ما، وإن احسنت الظن بمولاك. ثم انتبهت إذ قالت: أشهد ألا إله إلا الله… لكم تمنيت أن أشغل آهات إسلامية أو أناشيد أحمد بو خاطر، وأركض نحوها بالحركة البطيئة وأعانقها قائلا: أهلا بك في الإسلام! تهلل وجهي صرخت أنادي على أمها: منيرة أسلمت! تكبير… الله أكبر.. الله أكبر. ختاماً: للأسف بدأت أدرك مأساة التعليم في الشرق الأوسط، إذ يخلط أصحاب قطاع التعليم بين تطور المناهج وتكثيفها! امتحان الأطفال في الروضة وتكديس كتبهم بمعلومات في مراحل أخرى لا يعد تطويراً بل تعقيداً. ولك أن تتخيل مدى اتساع الفوهة بين ما يدركون وما يلَقَنون عاماً بعد عام. ولا يعني تطوير المناهج العناية باللفظ دون المعنى، والمعنى دون الادراك. أي شيء نرجوه من جيل يحفظ ولا يعقل؟ جيل يتم تلقينه دون أن يعي ما يقول، ما الذي نريده من مسلمين يحفظون ولا يعون؟ ويعملون دون أن يوقنون؟ لكم تمنيت لو عرجت هذه المدرسة ببساطة على فكرة الخالق من خلال الأخلاق، وأن يتعرفوا على محمد -عليه الصلاة والسلام-من خلقه عوضاً عن حفظهم معلومات عامة كمعرفة اسم مرضعته -صلى الله عليه وسلم-دون أن يعرفوا ما هي الرضاعة أصلاً!

 

عالم الفيلة

من نحن

ليس القصد من هذه التدوينة بحث أوضاع الحيوانات – أجلكم الله – في حدائق الحيوان، وإن كان مصير القرد الخليجي غامضاً بالنسبة لي، أعني القرد الوافد المتواجد في الخليج في حدائق…لا، لحظة! القرد الكائن في حديقة (أتصور أنك فهمت وأنا غير مطالب بالتوضيح أكثر من هذا) وليس هذا بحثاً مصيره الانتشار عبر الواتس آب للتحدث عن معجزة توضؤ فيلة في اليوم خمس مرات! أريد التحدث إليكم عن مصطلح إنجليزي وهو مصطلح elephant in the room ومعناه الحرفي هو: الفيل المتواجد في الغرفة وهو تشبيه للحقائق الواضحة الجلية التي يتم تجاهلها، أو عدم التطرق إليها أو معالجتها وقد تبلغ من مدى وضوحها حجم الفيل. تواجد هذه الأفيال ليس حكراً على منطقتنا فقط، لكن كثرتها وتعدد أحجامها هي ما أود أن ألفت عنايتكم له. فقد كثرت هذه الفيلة وتنوعت أحجامها حتى أصبحت تحول بين المرء وزوجه، والموظف وإدارته، وباتت تقف أحياناً بين المواطن وحكومته! بمعنى أن هذا الفيل قد يكون أمر شخصي بينك وبين أقرب الناس لك. كلاكما على علم به، لكن تؤثران عدم الحديث عن هذا الموضوع خشية أن ينتهي الحوار بما لا تحمد عقباه، لكن السخرية هو أن السكوت الذي تؤثرانه والعمى عن شيء بحجم الفيل سيؤدي حتما لمثل هذه النتيجة –ما لا يحمد عقباه-وكذلك علاقات العمل ومثلها أيضا أمور نتحاشاها كمجتمع بأسره إما دون وعي، أو بوعي وسبق إصرار وترصد! البعض يسوءه التحدث عن هذه الفيلة وعمن جاء بها أو سبب تواجدها، وعمن تجاهلها، بل أكثر من ذلك قد يتهمك هؤلاء بالهذيان والجنون لأنهم لا يرون الفيل الذي تتحدث عنه! وهم حتى وإن اعترفوا بوجود هذه المخلوقات فعلهم يرمونك بتضخيمها وإعطائها أكبر من حجمها، وإعارتها من الاهتمام مالا تستحق، أو أسوء من هذا كله أنك أنت من جلبتها في غفلة منهم وعليه أنت مطالب بإزالتها دون أي عون أو مساعدة. هذه الأفيال لا تختفي مع مرور الوقت، هي ليست رائحة كريهة تزول مع مرور الوقت بل على العكس تكبر وتتغذى على مخاوفنا وتقتات على المساحة التي نتلافاها في حوارنا وفي أفكارنا مع بعضنا البعض، وتكبر فلا يكاد يسعها ما أعطيتها من مساحة فيما مضى وسيأتي يوم تفرض فيه نفسها وتقحم ذاتها حتى تحجبنا عن بعضنا البعض، فلا نستطيع رؤية بعضنا البعض ونكتفي بالسمع، ثم قد يبلغ صخب هذه الفيلة أن نكتفي بتأويل النوايا لأننا لا نستطيع سماع أصوات من يخاطبنا وهي تختلط بأصوات هذه الفيلة. فأي شيء ننتظر ونحن نحملق فيها لمجرد تلافيها، بل أعجب من هذا كله أن يصبح من يجيد تلافيها فيمر من بينها، ولا يأتي على ذكرها أديب أريب، فطن وذو رأي سديد! ومن رأى الفيل، أو قرأ عن خصائصه وطبيعته علم أنه وديع في مجمل حاله، سهل القياد، لين العريكة لكنه ما أن يذعر أو يخشى خطراً داهما حتى يحطم برجله كل ما يعترض طريقه ويهشم، ويهوي بخرطومه فيحطّم، ويغرس نابيه وينهم، على أن زوالها، أو لنقل صرفها أمر يسير هين، فهي تنصرف بمجرد الاعتراف بها، والحديث عنها بغية إيجاد خرج لها لا بقصد تهيجها وإثارتها حتى تضطرب العلاقات، وتنتشر الفوضى فيما بيننا البين. ولا أدري ما الذي يثنينا عن التحدث عنها؟ هل ننتظر أن تسأم فتمضي وشأنها؟ وحتى لا أوصم بأني أنهى عن خلق وآت بمثله، دعني أقولها بصراحة: نحن ننتظر أن يشير أحد غيرنا ببنانه إليها، نعم! نحن لا نرفع أيدينا بالدعاء بأن يرسل الله طير أبابيل، ولا أن تُرمى هذه الفيلة بحجارة من سجيل فنحن متيقنون بأننا نحن من جلبناها ونخشى أن ندعو بالويل والثبور على أنفسنا متى ما سألنا الله أن يزيلها ويزيل أسبابها! نخشى أن يقال: انظر هذا الذي يرى فيلة في عقله الواهن وخياله المريض، لكن العلاقات لا تستمر، ولا المؤسسات تتطور، ولا المجتمعات تتغير إلى الأحسن إلى بوجود هؤلاء الذين يملكون البصيرة والشجاعة لأن يقاطعوا حديث كل يوم، فيسألون: ماذا عن هذا الفيل في الغرفة؟ فأين هؤلاء كي يعلمونا أين يقبع الفيل في أرجاء بيوتنا، وأحيائنا وأوطاننا؟

 

كيف تفشل في عشر خطوات؟ دليل المرء للفشل الذريع.. بدون مدرب

من نحن

كثيرا ما يكر علينا أقوام بلوائح نجاح في مجالات شتى، كيف تكون جذابا في عشر خطوات؟ كيف تكون كذابا في خطوتين؟ كيف تكسب أصدقاء في عشرة أسطر؟ ولو كنت غنياً كيف تكسبهم في سطرين!؟ وبما أن الفشل هذه الأيام رائج، لكننا لا نسميه باسمه ولا نعرض له بوصفه، رأيت أن أكتب قائمة لهؤلاء الذين يفشلون ويحسبون أنهم ينجحون ويظنون بصمت من حولهم أنهم يسحرون أعين الناس، سواء في حياتهم الشخصية أو المهنية. إلى هؤلاء الذين يبدعون في عالم الفشل مع التحية: 1-اختر أسرع طريقة للصعود. (العمر واحد والرب واحد) لا تهمك الوجهة، عليك فقط بالوصول للقمة حيث يراك الجميع، قد لا يعرفونك، قد لا تحصل على احترامهم وإعجابهم حينها لأن العالم تجاوز تسلق القمم إلى استخراج ما فيها من الكنوز، أو لأن العالم مشغول بسباق الوصول إلى كواكب بعيدة يمكن؟ لكن سنتطرق إلى كيفية صد من يحاول التشكيك في وجدك على القمة وكون هذا انجاز للجبل لا لك لأنه يتشرف بوقوفك عليه. (راجع النقطة 6 ب) 2-لا تنظر للخلف -يشمل الخلف التاريخ وجميع من تحذو حذوهم وأي درس مستفاد سواء من تجربة على مستوى بيت الوالد أو مستوى الفريج. هم رجال ونحن رجال..وأنا وانتا، والعريس والعروسة.. 3-أكثر من التواكل وقلل من التوكل. (تجاهل أي دراسات أو تقارير قد تودي بك للتعقل وعليك بالترنم ببعض الأبيات التي توحي بأن رزقك سيصيبك وإن جلست دون عمل) 4- عليك بالإقصاء وتهميش أي رأي سوى رأي مطبل تستحسن إيقاعه، (لمعرفة المزيد عن اختيار المطبل المناسب، توجه للنقطة 5) وليكن مثالك وشيخ طريقتك فرعون إذ قال ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ نعم عزيزي الفاشل، وفيما يلي آليات تستطيع معها عزل أي صوت لا يتناسب مع التطبيل الذي تريده: أ‌- شدخلك؟ وفيه دلالة أن الأمر يخص مجموعة دون أخرى وعليك أن تحاول جهدك بأن تكون أنت في مجموعة (أ) التي يعنيها الأمر، ويكون أي ممن لا تود سماع رأيه في مجموعة (ب) أو تدري؟ اعمل كل ما في يدك على أن تنزعه حتى من مجموعة (ب) ب‌- مب شغلك وهنا وبعد فشلك في أن تطرد صاحب الرأي من المجموعة (أ) أنت توحي لهذا الدخيل أن يلتفت إلى عمله، ويتركك وفشلك. ت‌- شفهمك؟ توخى الحذر، فبعد فشلك في كل من النقاط المذكورة أعلاه بمعنى أن صاحب الرأي الآخر من المجموعة التي يعنيها فشلك، وعمله يقتضي تنويهك بفشلك عليك أن تنزع عنه لباس الفهم، ورداء الخبرة وهذه الخطوة تمهيد لما بعدها من حل أخير. ث‌- الطعن في النوايا والذمم اطعن ياخي ولا تفتكر، اطعن في نيته شكك في نواياه تشبث بأي شيء يوحى للغير أن صاحب الرأي عميل، دخيل وللأدب قليل. فإن بيّن صاحب الرأي ودفع التهمة عن نفسه؟ اشدخ رأسه والصق التهمة به مرة أخرى. 5-اختر المطبل المناسب، التطبيل هو فن ورسالة فهناك عدة أنواع واللبيب هو من يختر المطبل المناسب للزمان والمكان وقد رأيت أن أذكر بعضاً من الصنوف لما فيها من فائدة، فهناك: أ-المطبل التقليدي(كلاسيكو) وهو من يطبل لكل أي شيء وأي شيء، وتحت أي ظرف، لا تعوزه حيلة لغوية ومهارات عقلية فخربشتك تخطيط للمستقبل، و”رفستك” دفعة للأمام. هذا المطبل له قدرة فذة في تحويل المر إلى حلو، والاتراح إلى أفراح ولله در الشاعر إذ قال ما زلزلت مصر من كيد ألم بها ** لكنها رقصت من عدلكم طرباَ ب-المطبل الواعي وهو المطبل المتدثر بالثقافة، فهو يلوي أعناق الآيات ويغير مجرى التاريخ، ويذكر أنصاف الحقائق ليدعم نشازك بتطبيل يطرب له المثقفون الذين يقومون بإقناع شريحة أكبر من المفهيين بأنك ناجح. ج-المطبل الانتقائي من يطرب لبعض الأعمال، ويسكت عن بعضها، فإن قلت يا قلم يا حر لم لا تنتقد؟ قال في خفر العذراء “السكوت له دلالة” وهل طلبنا نظرة شرعية أم طلبنا رأياً؟ تعذّر وجود رد واكتفى المطبل بالسكوت د-المطبل الهادف وهو دائم التكرار لمقولات على شاكلة (أصبت كبد الحقيقة، شخصت الداء ووصفت الدواء..إلخ) يعني بتطبيله للقضايا المصيرية التطرق لقضايا تهمه، وتهم عيال عمه، وعيال عمه، وعيال عمه، وعيال عمه.. ذ-التطبيل الإيجابي هذا تطبيل أميل له حقيقة وهو ما يعطي من تصرفاتك الخرقاء دلالة إيجابية، فتفهيك مثلاً لحظات تفكر ومراجعة نفس، فإن شربت قالوا: طبيعة وعلى سجية، وإن طلبت Hamburgerقالوا تواضع! أليس قادراً على طلب Cheese Burger? لكنه لم يفعل حتى يحس بمعاناة الناس اللي مثلي ومثلك لكنهم لا يستطيعون طلب الCheese 6-عند الوقوع عليك بلوم أحد هؤلاء: أ-الأيادي الخفية التي دفعت بك للهاوية (تذكر! من السهل أن تلوم الأيادي الخفية عوضا عن القاء اللوم على قصر نظرك أو سرعة خطوتك) ب-أعداء النجاح، كرر من مقولة “لا ترمى إلا الشجرة المثمرة” وفي حال تبجح أحدهم فقال أن الشيطان يُرجم وكذلك الزاني المحصن فالرجاء اتباع الخطوة 4. ج-الظروف الغير مواتية والقهرية والخارجة عن قدرة البشر مثل: وصولك للدوام متأخرا مع أن الشوارع ما شاء الله واسعة ومافي زحمة) د-النجاح يتطلب الوقت صحيح أن أعمار أمة محمد ﷺ ما بين الستين والسبعين لكن بناء النجاح يتطلب وقت وجهد وبذل وعطاء الفشل الذريع مجرد عثرة في طريق فشل ذريع آخر أعني نجاح مبهر. 7-تبرّم بالقضاء والقدر (ليس بالضرورة أن تعرف ما هو القضاء ولا أن تدرك اختلاف القدر؛ كل ما عليك هو أن تقول أن الله ما كتب وأن الله كتب لك الخيرة في مكان آخر) تنبيه: لا تذكر آخر مرة فتحت فيها كتاب الله. 8-كرر الخطوة ه وبعنف وعلى نطاق أوسع. 9-اصعد ربوة بالقرب من الجبل الذي قصدت أول مرة وانسب لنفسك تحقيق رقم قياسي في صعود هذه الربوة على مستوى الفريج، والأول من نوعه والفريد في عصره. صحيح أنها لا تقاس بالجبل، صحيح أن الكثير مر عليها من قبل، لكن الكثير ليس أنت وأنت غير. 10-احتفل بالنجاح الباهر عليك بتوظيف كل من تم ذكره من المطبلين في الخطوة رقم (5) خطوة اختيارية: كرر الخطوة 8 بعنف شديد (كسّر الدنيا) مع تمنياتي الصادقة لك بفشل باهر تحتفل به، ويطبل له من حولك. مودتي، كاتب التدوينة الفاشلة. رائد

 

 

تجمعات خليجية ومجتمعات بشرية

من نحن

ليست هذه نظرية أو فرضية، هذه ملاحظات لفرد عاش بين ظهراني هذه التجمعات البشرية في منطقة الخليج العربي، تجنب في سردها إسقاط نظريات علم الاجتماع على الواقع، فليس هناك اسوء ممن يريد اسقاط الواقع على ما قرأ فيلوي أعناق الأحداث فقط ليحتوي مجتمعاً بأسره أو حدثا بعينه في مصطلح راق له! وعليه ليست هذه محاولة لإعادة تفسير ما قال القصيمي ذات يوم “العرب ظاهرة صوتية” وما أضاف د. غازي القصيبي لعبارته ” غير موزونة وغير مقفاة”” أو تعليل ما ينافح عنه فرانسيس فوكوياما من أن القبيلة تقف عائقاً في وجه سيادة الدولة أو ما ذكر د. علي الوردي من أن جل ما نعاني منه اجتماعيا يعود للصراع النفسي الذي يوجد بكل فرد ينتمي لهذه المنطقة بين الطبيعية البدوية أو الحضرية من جهة، وبين ما يريد الدين منه من جهة أخرى. ما لن تقرأه في هذه التدوينة هو تعليل الأسباب التي أودت بمنطقة الخليج العربي لأن تكون مركزاً لتجمعات بشرية لا مهداً لمجتمعات إنسانية، إذ يذهب الكثير بأنها قد تكون واحدا من هذه الأسباب أو خليطاً منها: الطقس وحالة المناخ الموقع الجغرافي الدين التركيبة الاجتماعية ثقافة الشعوب الدخل المادي النظام السياسي الجهل كل ما ستقرأه هنا مجرد ملاحظات، وعليك دائما أن تتذكر X الموجود في الركن الأيمن بأعلى الشاشة، في حال لم يعجبك ما تقرأ أرجوك، وأبارك لك، وأشد على يدك، واضغط معاك X يستحب أن تضغط وأنت تستمع لأغنية (قوم اوقف وانتا بتكلمني -بهاء سلطان) ولأضرب مثلاً من واقع تجربتي، إذ قضيت بضع سنين في الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة دراستي الجامعية في ولايتين وفي أكثر من مدينة، وبالرغم من اختلاف الطابع العام لكل مجتمع صغير في تلكم المدن، واختلاف في العادات والتقاليد في كل من ولايتي تكساس، ولويزيانا إلا أن المجتمع كان يتعاون مع بعضه البعض في إضافة أمر ما لما هو أمريكي وماهي أمريكا عليه اليوم، وذلك ينطبق على بقية الولايات التي تتحد جميعاً في هذا الأمر وذلك هو اهتمامهم وتقديرهم لعينات مختلفة من أفراد مجتمعهم لا ارتباط لهؤلاء الأفراد في كثير من الأحيان بالمادة أو العائد المالي. مثلاً في المجتمع الأمريكي تستطيع أن تكون مؤثراً بحجم مهول خاصة اليوم وفي عهد مواقع التواصل الاجتماعي، بغض النظر عن ثروتك. بل أن في كثير من الأحيان يكون أثر ذوي الدخل المحدود أشد وقعاً في المجتمع الأمريكي ممن تكدست أموالهم. وهم – أي هؤلاء باختلاف مشاربهم ومناهلهم وتأثيرهم في محيط المجتمع الأمريكي يضيفون شيئاً مميزاً للهوية الأمريكية، لا يعني ذلك موافقتي التامة لما يضاف كما سنبين في تدوينات لاحقة، بقدر ما أصبو لتسجيل الملاحظة، وفيما يلي سرد بقصد الذكر لا الحصر لبعض الشخصيات: – مارتن لوثر كنغ رجل دين عرف بمناهضته لممارسات حكومة أمريكا العنصرية ضد الأمريكيين من ذوي الأصول الأفريقية. – أرنولد شوارزنيجر (بطل كمال أجسام، وممثل وأخيرا كان حاكماً لولاية كاليفورنيا) – مارغريت ماتشيل كاتبة رواية ذهب مع الريح – بيل غيتس (مطور كمبيوتر) – محمد علي كلاي (ملاكم) – روبرت أوبينهايمر (مطور القنبلة النووية ومناهض لسياسة ترومان في سباق التسلح) – توماس إيديسون (مخترع) – مارك توين (كاتب) الفرد الأمريكي العادي هو من أعطى هؤلاء الأفراد قيمة فأضافوا للهوية الأمريكية، والتي بُني حولها مجتمع أمريكي قد نختلف حول العديد من قراراته، وقناعاته لكننا لا نختلف في اسهاماته وإضافاته للإنسانية وكونه مجتمع له خصائصه وهوية محددة استطاع عبر قنوات معينة (الديموقراطية والرأسمالية) أن ينشرها حول العالم بأسره. هنا نسرد عبارة قد يصدم البعض منها: يصعب تصور العالم اليوم بدون الولايات المتحدة الأمريكية. علك ستذكر دعمها لإسرائيل، والحروب والمصائب التي تكبدها الوطن العربي وكذا الإسلامي، بل والعالم بأسره جرآء سياسة أمريكا، اتفق معك. بل أنا من مناهضي عالم غير متعدد الأقطاب. لكن قبل أن تنكر علي هذه العبارة تذكر كل ما هو أمريكي في حياتك، وأضف لذلك كل ما نحن عليه اليوم كالانترنت والحاسب الآلي والهاتف الذكي، وصولا إلى النفط واستخراجه من آباره، والإنارة الكهربية ودعنا لا نتشعب فنذكر ما هو غير مادي، فتضيع بنا الطرق وتضل بنا السبل. ولنعد لما بدأنا الحديث عنه، هذا التقدير للعلماء، والكتاب، والساسة، وكثير من أهل الفن والإعلام الذي يصيّره الفرد الأمريكي العادي إلى تأثير في أمريكا سواء عبر مؤسساتها أو سياساتها هو ما يميز المجتمع الأمريكي عن التجمعات البشرية. هذا التقدير مرتبط في اسهام الفرد لا بثروته، فيما يدعو إليه لا فيما هو عليه، في إنجازاته لا في أوهامه هو ما يضمن لهذا المجتمع ديمومته وهو ما يمسك بأجزاء المجتمع المتناثرة والمتنافرة فيكون الغراء الذي يلصق أجزاءها، والنسيج الذي يجمعها والعقد الذي يجمع قطعها. فهل كل ما يضاف إلى هذه الهوية الأمريكية وأمريكا كدولة من قبل هؤلاء الأفراد إيجابي حتميا؟ وهل يعني هذا خلو المجتمع الأمريكي من الظواهر السلبية والأمراض الاجتماعية؟ هنا أنت سترميني بالانتماء للحركة الشقيرية الخواطرية، التي ترى في الغرب كل ما هو مثالي وحالم، لكن هذا تقسيم لا يستقيم فكما أن أمريكا حون من ذكرنا فهي حوت القتلة والمجرمين، والساسة المفسدين، والإرهابيين وفيما يلي سرد لبعضهم: – تيد بندي (سفاح عشرات النساء) – تيموثي مك فاي (إرهابي تسبب في تفجيرا أوكلوهما 1995) – جونثان بولارد (مواطن أمريكي تجسس لحساب إسرائيل –أعطي الجنسية الإسرائيلية مؤخرا) – هيري ترومان (رئيس أمريكي تسبب في إلقاء القنبلتين النوويتين على كل من هيروشيما وناغاساكي وأشعل سباق التسلح النووي وتسبب في الحرب الباردة) – لانس آرمسترونغ (بطل عالمي للدراجات الهوائية) جوزيف ماكارثي (نائب جمهوري بالكونجريس قام بترأس لجان تحقيق للبحث عن شيوعين وأثار الذعر في جميع الأوساط الأمريكية بسبب إرهابه الثقافي) وغيرهم كثير، أضافوا للهوية الأمريكية وأثروا سلبا على العديد ممن مشى على خطاهم وحذا حذوهم، فما الذي حل بهؤلاء؟ أعدم كل من بندي ومك فيه، سجن جونثان، وخرج ترومان بنسبة أقل شعبية لرئيس أمريكي على الإطلاق -45٪ بحسب معهد غالوب لاستطلاعات الرأي – وماذا عن آرمستروتغ؟ تم اكتشاف تعاطيه للمنشطات من قبل الوكالة الأمريكية لمكافحة المنشطات وخسر في يوم واحد قرابة 75 مليون دولار أمريكي من دعم الشراكات، في العام 2013. أما بالنسبة لماكارثي فإن قصة سقوطه السياسي، بالتعاون مع الإعلام والسياسيين كافة وتعنيف الكونجريس له رسميا تعد من القصص الملهمة وأصبح مصطلح “المكارثية” نسبة له، مصطلح متعرف عليه لمن يزايد على قيم متعارف عليها ويتهم مخالفيه إما بالتقصير أو الخيانة. هل كل الأمثلة السيئة لاقت عقوبتها؟ يؤسفني أن أقول، لا! فهناك الكثير ممن نجى بفعلته، لكن ما يهمني هو قدرة الفرد العادي علي الاسهام في إصلاح ما أفسد هؤلاء عبر هذه المؤسسات التي تترجم قناعاته وإيمانه بهويته. الهوية في المجتمعات الغربية، شيء يتطور ويتفاعل مع الحاضر، ولا يبقى رهن الماضي أو فهم محدد لا يتجدد كما هو حاصل في التجمعات الخليجية. بريطانيا تنشر أذاناً في قنواتها يتماشى مع هويتها، وألمانيا تصرح أن عليها أن تضم الإسلام لهويتها وفرنسا تنازع الحجاب لكنها تعلم في قرارة نفسها أن عليها التعامل مع الحجاب شاءت أم أبت، هذا ما يتم طرحه بكل شفافية وعلانية وتقبل للآراء الأخرى واتساع للمجال دون اتهام وطعن أو تخوين أو انتقاص في الذمم. فهل هذا ما يحدث في منطقة الخليج العربي؟ في التدوينة القادمة: امسكوا ولد عمكم غاندي..

فصل: الحركة الشقيرية الخواطرية

img-1

تأسست الحركة الشقيرية الخواطرية قبل عشر مواسم رمضانية، ويعتبر مؤسسها أحمد الشقيري.. عفواً الأستاذ – تاج راسي-أحمد الشقيري مؤسس هذه الحركة التي نشأت عن نفس السبب، وولدت من ذات الملاحظة التي سنناقشها في هذه السلسلة من التدوينات ألا وهي: التجمعات الخليجية والمجتمعات الإنسانية. ذاك أن فرداً من هذه التجمعات الخليجية، أحمد الشقيري .. عفواً الأستاذ – تاج راسي-أحمد الشقيري أخذ يقارن ملامح بعض المجتمعات البشرية وما نحن عليه كتجمعات عربية معللاً ذلك ببعض السلوكيات وكثير من العادات وقد بدى هذا جلياً في السنة الرابعة من عمر الحركة الشقيرية وتأثرها بالكايزن الياباني改善- أي التطور- ومقارنة هذا بأقرب ما وصلنا “للكايزن” كعرب وهو المغنية الأردنية دانيا “كورزون” وهذا أخذ بقشور المواد، وظاهر أسبابها في حين أن بواعث هذه السلوكيات الخاطئة أعمق من هذا ويعود لنظرة الفرد على أنه جزء من جماعة لا من مجتمع. وفي كل عام كانت تتوارد الأنباء من هذا العام هو العام الأخير للحركة كان أعضاؤها في ازدياد وكانوا يزدادون تطرفا وهم يقولون: #باقية #باقية و #تتمدد حتى بلغت مبلغها مؤخراً وفي موسمها الأخير، إذ صادف أني قد أفطرت لتوي وكنت في حالة من التغييب وانخفاض معدل الكافيين ما جعل مني أهلوس. ثم أن الله شملني بلطفه فجيء بكوب الدنكن دونتس أمامي، وجعلت أحتسي منه حتى بدأت أميز الصور الضبابية والأصوات المختلطة والتفت حولي لأتثبت من مكاني وأنا أحمل الكوب في يدي. توجد شاشة بداخلها الأستاذ – تاج راسي-أحمد الشقيري وهو يقول: شوفوا إحنا تكلمنا تطبيق حق سيارات الأجرة وهنا في الرياض تطبيق اسمه أوبر. هنا حدثت نفسي، كتمرين ذهني فسردت كل ما أعلمه عن شركة Uber همساً، فقلت: • شركة تكنولوجية قائمة على الربط بين السائق والمستأجر. • ثمنت ب17 بليون دولار تقريباً (تقييم الشركة اليوم بمبلغ قدره 18 بليون دولار أمريكي) • تسببت في الكثير من مظاهرات سائقي الأجرة في أوروبا كافة. • تأسست في العام 2009 وهنا سمعت صوتاً وجلبة، شربت المزيد من القهوة كي استوعب: وإذ بشاب مفتول العضلات، ضخم يصرخ فيني: لا لا، الأستاذ أحمد قال إنهم اخترعوا التطبيق بعد ما شافوه قبل كم سنة. ارتشفت القهوة بهدوء، قلت له الشركة تأسست في العام 2009 أي في العام الخامس من عمر الحركة الشقيرية، فصمت وتفكّر ثم قال: لا ضير، هناك من شاهد الأستاذ أحمد فجلب التطبيق إلى الرياض. هنا أخذت أعض على إبهامي من الغيظ، الشاب مغيب تماما! وقد دار هذا الحوار البسيط بيني وبين عقلي الباطن: حديس (حديث) الروح: أنا: هل أصب القهوة فوق رأسه؟ علها ستكون صدمة لكنها حتماً ستوقظه! عقلي الباطن: تخسي أنا: أبيت اللعن! “أفا يا ذا العلم باللغة العربية” ويحك لم؟ عقلي الباطن: شوف حجمه وشوف حجمك! هذا حتى خدوده فيها عضلات.. أنا: صحيح، وكذلك أنا أكبر عمراً منه. عقلي الباطن: بارك الله فيك أنا: ومستواي الثقافي لا يسمح لي باشتباك وعراك غير حضاري. عقلي الباطن: لله درك! أنا: لولا العمر، والعلم لكن لي معه شأن آخر. عقلي: عفيه! هذا الرأي. في هذه الأثناء كان يقبض الشاب على رؤوس ويقطعها..، أعني رؤوس بعض الفاكهة. استدركت مبتسما: لكن Uber شركة عالمية ولها خطط توسعية بغض النظر عن البرنامج وشهرته! أخذ يزبد ويرعد، ووجهه يصطبغ بالحمرة وهو يشير بإصبعه إلى كتفه في عصبية واضحة ويقول: إحسان! أنا: إحسان مين؟ عبد القدوس؟ أخذ يصرخ: يا حبيبي .. الأستاذ أحمد إنسان رائع، وأنت … أنت أنت مجرد حاقد. هنا تذكرت عقلي الباطن وهو يقول “تخسي” أخذت نفسا عميقاً فقلت: صحيح هو أكثر من رائع، وكثيرا ما يقال أني شبيه الأستاذ أحمد. قاطعني: تاج راسك! زفرت “تاج راسي” وأصررت على الهدوء.. يقال أني أشابهه. صرخ “اسكت..اسكت” كانت اسكت الأولى تنم عن غضب عميق أشبه بمن سمع من يشتم أباه، أو يتعرض لآلهته بسوء! أما اسكت الثانية فكانت اقرب للرجاء وأحسبه لاحظ الشبه حينها. وحين أخبرته بأن هذا هو الموسم الأخير للحركة الشقيرية الخواطرية. ضحك في هستيريا عصبية “أنت حاقد” تركته وهو يهذي ويحدث نفسه: #باقية #باقية و#تتمدد إلى مواسم أخرى. التطرف لا يعرف شهادة جامعية أو مرحلة عمرية، التطرف لا يعرف قدراً يحسر عنده ولا علما يحصر فيه. قد ترى تطرفاً في الدين أو في كرة القدم، فكما أن هناك الأستاذ –تاج راسي-أحمد الشقيري هناك الكابتن – عمك-ميسي، وفضيلة –تاج راسي-الشيخ محمد العريفي. وهؤلاء الأساتذة جميعاً لم يحرضوا أتباعهم على التطرف. التطرف علة في ذات المرء تسلبه القدرة على النظر في المرآة، ومصارحة النفس، والاعتراف بالخطأ. لا تستغرب فالتطرف يستطيع أن يجعل من الشاب المتزن المتعلم المعضل شخص يزبد ويرعد وهو ممسك بسكين يجز به الرؤوس… أعني رؤوس الفواكه.

التفاح الصالح والتفاحة الفاسدة

img-1

قد تكون من الخليج العربي، أو مصر، السودان، المغرب العربي، أو بلاد الشام. قد تختلف مناهجنا التعليمية، وطوائفنا الدينية، ومقدراتنا المالية، وقدراتنا الذهنية لكنك إن كنت من بني جيلي فإن مثال التفاحة الفاسدة التي أفسدت بقية التفاح في الصندوق قد تم تلقينه لك وتحفيظه إياك.ومن ثم تم امتحانك فيه، وإليك بعض من الأسئلة التي قد مرت بك لامتحان مدى فهمك للدرس: – من الذي أفسد التفاح في الصندوق؟ الإجابة النموذجية: التفاحة الفاسدة. – ما الذي انتقل من التفاحة الفاسدة لبقية التفاح في الصندوق؟ الإجابة النموذجية: العفن. – كم استغرق فساد التفاح في الصندوق؟ الإجابة النموذجية: بضعة أيام وفي رواية يومين. النتيجة 6/6 التقدير: ممتاز وفي حين كان أبناء جيلنا في الغرب يتعلمون عن تفاحة نيوتن، ويشاهدون الأميرة النائمة تنجو من التفاحة المسمومة وكان ذو الحظ منهم يشاهد حاسوبا عليه علامة تفاحة.. بقي هذا الصندوق والتفاح الفاسد راسخا في أذهاننا. تفاحة واحدة بفسادها استطاعت أن تفسد صندوقاً بأسره في بضعة أيام (وفي رواية يومين فقط) كما تقتضي الإجابة النموذجية. دعني أعيد المثال عليك مرة أخرى بصياغة أخرى مختزلة ومختصرة: تفاحة فاسدة في صندوق تفسد بقية التفاح في بضع أيام (وفي رواية في يومين فقط) انتهى المثل الذي يسرد نهاية حتمية، وطريق واحد ونهاية مفجعة واقعية، وهي انتصار العفن بغض النظر عن كم ونوع الصلاح. الفساد أقوى والعفن لا يستطيع أن يمنعه أي من التفاح الصالح. هكذا يستطيع أحدهم أن يفسر هذا المثل ولن يكون حينها بعيدا عما يحمله المثل من عبر ودروس! وفي حين أن هناك عشرات الأسئلة التي كان نظام التعليم يستطيع طرحها على جيلنا ليوقظ فينا معاني تحتاجها مجتمعاتنا، تم حشرنا في الصندوق وسؤالنا عن مدى سرعة الفساد. ما الذي كان نظام التعليم يتصوره من التفاح الصالح؟ أن يناصح التفاحة الفاسدة، ويحذر بقية التفاح من هذا العفن القادم؟ أن يناصح ولاة الشجر فينذر من حراك داخل الصندوق؟ وعفن يلتهم الجميع إلا أن يتم تحسين أوضاع التفاح؟أن يترك التفاح الصالح الصندوق بأسره ويهج تاركا الصندوق والمزرعة للتفاحة الفاسدة لينجو بصلاحه؟ أن يؤخذ بيد التفاحة الفاسدة فإما تتوب عن فسادها أو تترك الصندوق وتفاحه الصالح؟ الحقيقة أن التفاح الصالح كان متجانسا بأسره، أحسبه كان أخضرا؟ في حين أن الحياة تحتوي على أنواع أكثر من التفاح بنكهات وأحجام شتى (حقيقة علمية: هناك حوالي 7500 نوع من التفاح عالميا) إلا أن المثال البائس يقسم التفاح لنوعين صالح وفاسد. وهل بحث أحدهم في سبب فساد هذه التفاحة؟ يبدو الأمر غريبا، أعني لم أصابها العفن بالذات؟ هل جيء بها من صندوق آخر؟ من شجرة أخرى؟ من مزرعة أخرى؟ يخيل لي أنها انتظرت أكثر مما يفترض بها فالتفاح في مسير دائم من الشجرة إلى الصندوق، فعربة الشحن، فمحل الفواكه، فالسفرة حتى يُقطع أو يُقضم، أما ما يفسد منه فهو ما ظل ثابتا في مكانه دون حراك. ثم أن هناك أمر لم يتطرق له المثل لا من قريب ولا من بعيد! وهو أن هذا التفاح الصالح مغلوب على أمره، وكذا التفاحة الفاسدة! أليس من الأولى السؤال عن هوية من وضع التفاحة الفاسدة في الصندوق؟ لنفرض أنه المزارع، أفلا يكون المثل حينها أكمل على هذا النحو: ففسد الصندوق بأسره جرآء إهمال المزارع الذي ندم على تقصيره وما فرط فيه. بل أن الله جل وعلى لما ضرب أمثلة للزرع والمزارعين قال: “أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ” وذكر في موضع آخر: “وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا” وذكر خبر أصحاب الجنة فأعلمنا بما انتهى حالهم: فَأَصْبَحَتْ كَالصّرِيمِ * فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُواْ عَلَىَ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لاّ يَدْخُلَنّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ * وَغَدَوْاْ عَلَىَ حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمّا رَأَوْهَا قَالُوَاْ إِنّا لَضَآلّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ * قَالُواْ سُبْحَانَ رَبّنَآ إِنّا كُنّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ * قَالُواْ يَوَيْلَنَا إِنّا كُنّا طَاغِينَ * عَسَىَ رَبّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مّنْهَآ إِنّآ إِلَىَ رَبّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ” لكن نعود للمثل، أين هذا المزارع؟ وعل بعض المتحذلقين منكم يبرئ ساحته، فيقول هذا بعض عماله، أو هي أيدي أجنبية تعبث بالصندوق وأمنه. يا قوم أليس الحصاد يهمه؟ فإن لم يشرف عليه بنفسه فيداك أوكتا وفوك نفخ! لكن هو الأحق بأن يلام وأن تشار له أصابع الاتهام، لا التفاحة الفاسدة أو التفاح الصالح! ثم إن المثل ينتهي نهاية عجيبة لا توضح لنا ما يحل بعدها بالصندوق والعفن الذي أصابه! هل يصير التفاح سماداً؟ أو يحرق رمادا؟أو يكون طعاما لبعض حيوانات المزرعة؟ وماذا عن الصندوق؟ هل يعاد تدويره بهدف الحفاظ على البيئة؟ أين المزارع؟ أنادم هو على ما حدث؟ هل هو من نشر المثل ليكون عبرة لغيره؟ ماذا عن بقية الصناديق؟ وبقية المزارع؟ هل سارع الفساد إليها؟ قرأت في إحدى الكتب التي أحرقت، وشنق أصحابها أن المزارع باع المزرعة واشترى عمارة وترك المزرعة والأشجار والصندوق والتفاح صالحه وطالحه. ولا زال السؤال يطرح: – كم استغرق فساد التفاح في الصندوق؟ ===

 

قلب أب

من نحن

ولدي الغالي مشعل، مضى عام على وجودك بيننا أيها المزعج! وحين سلبتنا نومنا أبدلت يومنا ضحكاً ومرحا -حفظك الله-حتى أن أختك منيرة صارت تفتقد وجودك إن كنت بعيدا تمضي بعض سويعات في بيت جدتك، لأن هذا البيت لا يكتمل إلا بوقع يديك ودبيبك وحبوك على أرضه وضحكك، وصراخك وكذا بكائك في أرجائه. بني، تقول والدتك بأنك “ابن أبيك” لأن أختك لفظت كلمة “ماما” أول الأمر ثم أنها تعطفت بقول “بابا” بعد عدة أشهر، ولا زلت تصر أنت على كلمة “بابا” فقط، بل وتفرح حتى كأنك حزت الدنيا بأسرها حين أحملك بين يدي، وتلمع عيناك وأنت ترى أني أنا البطل الخارق أقوى رجل في عالمك “بيتنا الصغير” يحملك فوق كتفيه تقول والدتك: الله يديم المحبة! وأقول: آمين. أنا اليوم سيد الوجود في عالمك، أنا مركز دائرة عالمك المحدود والذي لا يتعدى بضع خطوات هنا وهناك في أرجاء البيت. أنا الأقوى والأسرع، أنا الأكبر والأثرى والأذكى والأشجع. وأنت لا زلت تملك براءة الأطفال ما دمت أنا في عينيك ذاكم البطل الخارق، لكن الأيام تسلبنا هذه الصور التي نشكلها في مخيلتنا، كما تسلب براءتنا. سرعان ما ستكبر-إن شاء الله-فتتسع دائرة عالمك لتضم أبطالاً آخرين ستقيس عندها وتقارن، سترى أن والدك قد يملك المال لكنه ليس الأثرى، وعله قوي لكنه ليس الأقوى، عندها سأعرف ذلك في عينيك، فلا تخجل..لأنك كبرت، وزالت عنك آخر صور الطفولة – أي البراءة-التي فطرنا عليها فتجعل والدينا مركز كل شيء. فإن شكوت ألما ناديت ماما أو بابا، وإن جعت، أو اشتهيت حلوى أو لعبة حتى إن أردت الحديث فبابا وماما كذلك. لكن الدنيا تسحب هذا البساط من تحت أرجلنا، وهي تأخذ كما أعطت، فتعرينا من تلك الصفات وتكسوها لأحد في دائرة معرفتك التي تنمو والتي قد لا نكون أنا ووالدتك مركزها. سيكون هناك الطبيب، والطاهي، وصاحب الدكان عوضاً عن حاجتك إلينا. ستمضي أوقاتا مع صحبك وعلك تفضلها على أوقاتا تمضيها معنا. بل دعني أهون عليك أمراً قد تمر به، قد يسري إليك في عنفوان شبابك أن تنتقد بعض أمري، عندها تكبر بحق! لأنك تقارن ما أنت عليه بما أنا عليه، بل سترى الصواب في جانبك وتدفع الخطأ لجانبي فليس هذا من العقوق من شيء، لذا هون عليك. هي طبيعة الإنسان، ودلالة على تقدم العمر. لكن إن كان ثمة شيء فأسأل الله أن يمد في عمري، حتى يقر عيني برؤيتك ناضجا قد آتاك الحكمة، وهي عندما تتغافل عن أخطاء والدك، فتدرك أن هناك من هو أقوى وأسرع، هناك من هو أعلى قدرا، وأكبر شأناً، وأكثر مالا، وأوفر رأيا، وأشجع لكن لا يوجد من بين هؤلاء الناس قاطبة في هذه الدائرة الشاسعة من يحبك كوالدك.. عندها تلمع عينيك لأني سأرجع مرة أخرى بطلك الخارق. كل عام وأنت بخير، والعمر كله يا مشعل. بطلك الخارق، والدك

 

الخليج العربي، وسؤال البقاء

من نحن

قبل البدء: لا شأن لي بالسياسة، لكن مؤخرا صرت أحد شؤونها! كل أمة عليها الإجابة ذات يوم على سؤال تحتمه الظروف والمعطيات التي تحيط بها، وبالأزمنة التي تغلفها فإما الإجابة، أو الاستجابة لعدم الجواب عليه. خذ على سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية، فهي أسيرة سؤال طُرح وهو: هل تظل أمريكا دوما في القمة؟ وأبداً في الطليعة؟ روسيا تسأل هل آن الأوان لتعاود المنافسة على المركز الأول؟ والصين مترددة هل تتوسع أم تبقي على المارد حبيس القمقم والأمة خلف السور العظيم؟ أما الاتحاد الأوروبي الذي يبدو كالعجوز التي فقدت عقلها وصارت تسأل من هي؟ وما اسمها؟ وماهي هويتها؟ وبالنظر لمنطقة الخليج العربي، فإن هناك سؤالاً واحداً ينتظر الإجابة عليه. سؤال غليظ، ثقيل، يتشكل في عدة نواحي من حياتنا، وأنشطتنا، على مستوى الأفراد والجماعات، على مستوى الشعوب والحكومات، يقرع كالجرس، إما بشيراً أو نذيراً. سؤال لا املك إجابة له، لكن عدم معرفتي من الإجابة لا يمنع وجوده، وهو: هل نحن أمة باقية؟ لا أعني وجودنا كمسلمين فقد أوكل الله حفظ هذا الدين. ولا أعني زوالنا كبشر، فنحن كنا وسنبقى مربوطين بهذه الأرض. أعني أن نبقى دولا ومنظومات سياسية خليجية كما نحن عليه اليوم، في ظل التطورات الأخيرة التي طرأت من سحب السفراء من دولة قطر؟ هناك انشقاق، بلغ به أن يقوم الرئيس الأمريكي أوباما بإلغاء قمة مزمعة والسبب: خلاف جذري بين حلفاء واشنطن. قطر تؤكد أن الخلاف سببه قضايا خارج محيط الخليج العربي، في حين تصر كل من المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين على أن الخلاف مبعثه تهديد قطر لأمن الخليج. في ظل إصرار قطر على تقديم أدلة بينة ورسمية واضحة وعدم تقديم تحليلات إخبارية، ومقالات تتكهن وتنجم دونما دليل رسمي واضح من الطرف الآخر. القصد من هذه التوطئة أن الأواصر التي لطالما تغنينا بها باتت اليوم واهية، والشعارات التي حملناها دائما أصبحت بالية، في وجود متغيرات من حولنا من ربيع عربي، وثورات باقية، وحروب أهلية، وتغير جذري في علاقة إيران مع الغرب، وتحدي روسي للهيمنة الأمريكية؟ تبدو السياسة اليوم فوضوية إن جاز التعبير على المستوى العالمي، وهي أقرب لمبدأ يعرف بمبدأ البجعة السوداء وتوقع اللامتوقع! يبقى السؤال: هل الأمة الخليجية باقية؟ هناك من سيقفز لنظرية المؤامرة، وأن هناك في ركن مهمل في زاوية ما حيث يتآمر صناع القرار العالميون في همس: كيف يستطيعون أن يفشلوا أي خطة من خطط مجلس التعاون، والسؤال: ما حاجة القوم للتآمر دون الأوامر؟ أتفهم تآمر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الامريكية على روسيا، لكن أن يتآمر الغرب على الخليج العربي؟ ما حاجة الغرب للتآمر على العرب؟ لا أستطيع هضم ذلك من مبدأ بسط هيمنة القوي على الضعيف في ظل قانون غاب دولي حيث السياسة للأقوى كما برهن بوتن على هذا في الشأن الأوكراني بعساكره وبرهن الرئيس الأمريكي أوباما على عجز سياسته إزاء احتواء الأزمة الأوكرانية بتحذيراته الجوفاء. وهناك قسم آخر، يريد أن يلقي اللوم على العين اللي ما صلت على النبي – عليه الصلاة والسلام-ففرقت وشتتت، وأصبح من كان بالأمس أخاً قريباً يحمي الظهر ويسد الثغر، خاصرة طرية . هناك أيضاً من يقول أن عنصرا أجنبيا دخل بين أبناء الخليج العربي-اللي على قلب واحد-وقام بوسوسة الشك في قلوب البعض، لكن أليس الشك بذرة لا تثمر إلا في قلب خصب بالريبة؟ والحقيقة هي أن بقاءنا على هذا النحو نحن من يقرره ويستطيع من جعله حقيقة لا أماني أو تفاؤل رهين السذاجة، لا يهم الكيفية سواء كانت مجلسا، أو اتحادا أو كونفدرالية – حقيقة سم كل هذه الشلليه ما شئت-في ظل عجز الدول عن النهوض بمنظومات ناجحة محلياً، وعلى الصعيد الإقليمي أي فيما بينها البين. دعني أوضح: النجاح المحلي: يقول مؤلفا كتاب “لم تفشل الأمم؟” أن نجاح أمة ما مرتبط بمنظومتين: المنظومة الأولى: المنظومة السياسية والتي تتراوح ما بين (هيمنة مطلقة -أي حكم الفرد-ويقابلها منظومات سياسية تمثل الشعب بأطيافه وطبقاته المتعددة) المنظومة الثانية: منظومة اقتصادية تتفاوت ما بين (امتيازات خاصة بفئة دون أخرى تساهم في نشر الطبقية الاجتماعية -ونظيرها منظومات تعم فائدتها التنموية على الجميع ويصبح الثراء فيها رهناً بالجد والعمل وقيم أخرى يحددها المجتمع) وعليه فقد يوجد نظام شمولي، يتحصل معه ثراء نوعي لكنه من وجهة نظر المؤلفين لا يدوم أبدا، أو نظام ديموقراطي لكن مؤسساته الاقتصادية اختيارية، لكن حال هذه المنظومات في ظل ديموقراطي لا يدوم أيضا، إلا إذا استطاعت بسط هيمنتها على المنظومة الاقتصادية. والآن سل نفسك: هل نجحت كل دول الخليج في خلق هذه المنظومات بنوعيها؟ أم أن ما تم إنشاءه بناء لم يكتمل، و خطط لم يتم تنفيذها؟ أو علها أحلام وقد آن الوقت للاستيقاظ منها؟ النجاح الإقليمي: هناك فريقان عند هذا المقياس، فريق يرى أن مجلس التعاون الخليجي لم يحقق شيئاً يذكر (لا وجود لعملة موحدة، حرية التنقل بدون تعسير مرهون بمدى الود بين دولة وجارتها، الاتحاد الضريبي، والاتحاد الجمركي، المشاريع التنموية الأخرى كالربط الكهربائي) في حين يرى الفريق الآخر أن ملف الدفاع فقط (غزو العراق لدولة الكويت ورد المجلس، وأيضاً تدخل درع الجزيرة في أحداث مملكة البحرين في العام 2011) كفيل بنجاح المجلس، وقد يغفل هذا الفريق دون قصد أنه في العام 1991 تم صرف النظر عن مقترح سلطنة عمان بزيادة أعداد قوات درع الجزيرة لتصل إلى 100 ألف فرد إثر ضغوط سعودية. وفي العام 2005 أعلن سلطان بن عبد العزيز-غفر الله له-تفكيك قوات درع الجزيرة على أثر التوترات السعودية القطرية وإدراك مجلس التعاون أن القوات لم تكن بالمستوى المطلوب. وعل مقارنة مدى فاعلية المجلس بالاتحاد الأوربي هي مقارنة مجحفة إذ نظرنا إلى عمر الدول التي تؤسس الاتحاد الأوربي، وإذا علمنا أن ميلاد الاتحاد الأوربي لم يكن في العام 1993 كما هو شائع بل بدأ في العام 1957 (اتفاقية روما والتي ضمت ست دول آنذاك) نرجع الآن لك أنت: هل ترى أن مجلس التعاون قد نجح في النهوض بأهداف ترقى لتطلعاتك؟ لا وجود لإحصاء دقيق يعبر عن رأي الشعوب بشكل إحصائي سوى أهواء تصدح بالغناء (خليجنا واحد، وشعبنا واحد..) عند الإجابة على ما تم طرحه بواسطتك أنت الفرد، والجزء من الكل تستطيع تحديد كلا النجاحين نجاح الدول على حدة، ونجاح منظومة تضمها من جهة أخرى. لكن دعنا نعود للموضوع الذي أثار هذا كله، أعني لقضية سحب السفراء. ما الذي اتضح للشعوب بفعل أزمة السفراء؟ 1- المواقف الخارجية ليست واحدة. 2- لا وجود لفهم موحد لتنظيم الإخوان المسلمين في دول الخليج فهي ما بين حزب سياسي يكفل له القانون حرية العمل السياسي ضمن إطار ونهج كل دولة، وتنظيم إرهابي يعتقل المنتسبون إليه، والذين يومؤون بإشارة التصقت به (إشارة رابعة) 3- المواقف تجاه كل دولة تتسم بالتذبذب العالي ما بين الوقوف في صف، والوقوف في وجه بين ليلة وضحاها. 4- لا وجود لفهم سياسي، أو عله لا وجود لسياسة يستطيع المحللين السياسيين بناء تحليل موضوعي عليها لا يتسم بالتنجيم وضرب الأخماس بالأسداس بطريقة (لا أظن، لا اعتقد، أو لن نقوم أبداً أهو ده اللي مش ممكن أبدا..أبدا) وكأن لهم من الآمر من شيء؟ في حين أن كل ما يبنى عليه مجرد إشاعات عن تحركات، وأقاويل، وتعميم لسوالف مجالس. 5- دائرة القرار تكاد تصل لعدة مئات فقط من كل الأطراف في حين أن مستقبل شعوب جميع هذه الدول مرتبط بمزاجية هؤلاء البشر 6- هناك فئة من الشعوب في كل دول الخليج –وأقولها بكل تحفظ دون أن أقدر حجم هذه الفئة-لا تتفق وتعاطي حكوماتها مع أزمة السفراء وترى في السحب سابقة تنذر بعواقب وخيمة. 7- هناك توجس، وحالة احتقان شعبية بين شعوب المنطقة لتعلقها بمواقف حكوماتها. ما الذي ينشأ عن هذا الاحتقان؟ 1- تغييب الرأي العام عن قضايا مصيرية كالبطالة على مستوى الخليج العربي خاصة في شرائح الشباب. 2- تعطيل بعض مشاريع التنمية العامة كمشاريع الإسكان على الصعيد المحلي، والمشاريع التنموية الإقليمية كالربط الكهربي. 3- عدم اطمئنان أو ركون الدول لبعضها البعض الأمر الذي يلغي أي فرصة لعمل تنموي شامل ومتكامل على النطاق الإقليمي. 4- نمو مضطرد في ملفات التسليح وهو ما أكدته دراسة حديثة لمعهد ستوكهولم للسلام إذ كانت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من ضمن أكثر خمس دول في العام 2013 تسليحاً. 5- التهديد بقيام تحالفات مع دول أخرى من خارج مجلس التعاون الخليجي، في ظل عالم متعدد الأقطاب كروسيا، وأمريكا، وتركيا وإيران. (بمعنى أنا والغريب على ابن عمي، وأخوي ما أدري وينه بس مب احسن له يقرب من الغريب!) 7- إلهاء الصحافة في ترهات، وإقحامهم في عملية حرب عصابات.. عفواً حرب إعلامية تقوم على الكر والفر، وإلغاء الاحترام الذي عهدناه شعوباً وقادة، وهو باب اقتحمته الصحافة ولا اظنه ينسد حتى وإن انجلت الأزمة. بل أكاد أجزم أن المملكة العربية السعودية هي الوحيدة التي قامت بتصرف حازم تجاه الصحافة والحرب الإعلامية على المستوى الرسمي من خلال تعليمات بعدم التعرض بالإساءة للدول وقاداتها. خاتمة أتمنى أن تنفرج هذه الأزمة بأسلوب مغاير لحب الخشوم وخلاص كلنا اخوان وما صار إلا كل خير. لأن هذا الأسلوب قد يخمد النار لكنه لن يطفأها. هذه النار، أعني نار الفتنة، يصب عليها كتاب الجرائد حبرهم فتستعر، ويقوم بعض المشايخ ومن انتسب للدين في النفخ فيها ويرمي الساسة الأسباب كقطع حطب فتظل متوهجة، ويقع العامة فيها وقوع الفراش والجنادب في النار وهي تبغي النور ولا يوجد من يستطيع أن يمنعهم. النار أكبر من أن يطفأها رجل بعينه، أو دولة لوحدها. وهي إن استعرت ستأكل الأخضر واليابس، ولن تميز الصغير أو الكبير، أو الضعيف فترحمه دون القوي. فهل من رشيد يجيب بفعله: هل نحن أمة باقية؟ مواطن قطري خليجي.

 

الإنستغرام والصورة الأكمل

قد تكون مستلق في فراشك يسامرك الأرق، أو تكون مترقباً لموعد ما، أو منتظرا أحدهم، قد ينتابك السأم، وهذا ما أريدك أن تراعيه وتنتبه له – تقوم بعملية هروب من هذا الملل لا شعوريا فتقوم بالبحث في هاتفك الذكي، تظهر لك أيقونة صغيرة على شكل كاميرا من بين الايقونات. تضغطها بأناملك فينبجس لك عالم تتدفق صوره، وينفتح لك عالم مليء بالألوان والصور، منها الثابت، وآخر المتحرك، وكثير من ال”لايكات” والكلمات. فجأة يتبدد الملل، وينحسر السأم وفي برهة تصبح مشدوهًا بكل هذه المناظر والصور، مأخوذًا بما تحويه من تفاصيل ودقائق. وفيما يلي عرض لبعض هذه الصور التي تمر بها:

 

الصورة الأولى: “عووش مكانج بين

صور لمأكولات شهية. علها وليمة عظيمة لو نظر إليها أصحاب المخيمات، أو اهل المجاعات لماتوا كمداً أو وجبة خفيفة اعدت بكل ظرف وعناية حتى يخيل لك أن صانعها مهندس، رسام أو نحات. تنهال الردود على التعليق الأصلي لصاحبة الصورة “حياكم..” فمنها الرومانسي “كلي وأنا أشبع” ومنها الذي يطفح أدباً ولطفاً “جعل فيه العافية” ومنها ما يغلب عليه الطابع الديني “اللهم اسبغ على ميمي نعمك، ولا تنسها شكرك”

ميمي ترد بكل ظرف على الجميع، ثم تذكر إحداهن ” عووش..حبيبتي مكانج مبين”

من عووش؟ وما الذي ذكر ميمي بعووش؟ شاي الكرك؟ أم الكعك؟ أم هي الزخرفات على السماط؟ لا أحد يدري، سوى أن شهيتك تنفتح وتقول في نفسك “يبي له: تشوكوليت ويذ فانيلا آيس كريم أند أناناس”

الصورة ثانية: فتى البراري، والقفار.

عندما تنظر لهذا الأخ فإن ألبوما غنائياً من الشعبيات التي تسجل بسرعة يمر بذهنك، الشاب المعمم يفيض بداوة، طير في الزاوية في النهار نهار، أو تشاهد صورة لجبل من الفقع تكاد تنظر من خلاله لأسنانه الصفر يضحك بكل عفوية، لكنه –سبحان الله سبحان الله-ينظر للعدسة. أما في المساء ففتى البراري والقفار لا يفوته أن يلتقط صورة للنار توقد في البعيد مع دلال القهوة.

 أبيات شعر في الكرم والجود وأبيات يبث فيها لواعجه والغربة والبعد عن الاهل…!  أو -وهذه أعجوبة من أعاجيب الزمن-أن يتحدث عن نفسه بصيغة الهمجي إنسان الكهوف.. “فلان بن فلان مع الضو، وسوالف طيبة” فلان بن فلان هو صاحب الصورة وصاحب التعليق وصاحب الحساب في الإنستغرام. لم لا يستخدم كلمة “أنا؟”

رائد بن إبراهيم العمادي لا يدري..!

 

صورة ثالثة: بنت أبوها.

 تأتي بعدها صورة بنت أبوها (بنت أبوها لا تظهر في الصورة عيب.. عيـــب كل ما يظهر هو خنصرها الذي يشبه في غلظته رقبة خباز الحي) تلك التي تملك من كل شنطة أربعة ألوان –كيفها ياخي كيفها-  تملك الساعات المرمية في لا مبالاة هناك في ركن لا ينتبه له أحد سوى عدسة الكاميرا سبحان الله! الصورة تصرخ: شوفوا بنت العز، شوفوا دلع البنت.

ثم تكتب تعليق مثل “النقود لا تجني السعادة” اللهم قوي إيمانك!! تود أن تقبض على خنصرها، وبالهاتف الذكي يستحب أن يكون جالكسي موديل “الطابوقة”، تكسره على رأسها!  

صورة رابعة*: لا تلوح للمسافر.. المسافر راح.

الرحالة ابن جبير، ابن بطوطة المشرق والمغرب، الذي يصور باحترافية عالية، ومن زوايا لم تخطر ببالك مثال: برج إيفل في فرنسا يصوره من إيطاليا وهو على برج بيزا المائل، أو يصور علبة تونة من فم قط جائع. وهؤلاء “لايكاتهم” ألوف مؤلفة، وقد يتلذذون بما يترامى إليهم من مديح، هم يرفضون لفظة الاحتراف، هم مجرد هواة لأنك إن ألحقتهم بركب الاحترافية لتعثروا ولم يلحقوا بالمصورين العالميين. بالنسبة لهم الصورة ليست لقطة لحياة، بل هندسة تعتمد على كمية الضوء، والزوايا والقياسات هؤلاء كمن يعني بوزن الشعر ولا يعتني بروحه.  هؤلاء أفسدوا الإنستغرام وسلبوه بساطته وعفويته التي تلاحظها في الصور التي تميز بعض الحسابات عن غيرها.  

الصورة خامسة: المفهيين بفضل الله.

هؤلاء لا تدري حقيقة ميولهم، ولا ما يستهويهم أو يرضي ذائقتهم. هم لا زالوا يبحثون عن نفسهم بحث من فقد مفاتيح سيارته؛ حتى يجعلون من يتابعهم يصاب بحيرة، وضياع وشتات. 

 

صورة طفل؛ صورة قدر وأواني مطبخ، صورة وردة، صورة أبيض وأسود لممثل راحل، صورة كتاب.. 

أشياء مبعثرة لا ترابط بينها، حتى تحدثك نفسها: يمكن ناسي أو ناسية الكاميرا شغالة؟ 

ثم تأتيك الصاعقة حين ترى صورة لكلمات كتبها! ياخي هل تتعاطى المخدرات؟ أم أنك لم تفهم القصد من الإنستغرام بعد؟  المصيبة الأعظم هو تفاعل بقية المتابعين المفهيين! والذين أحسب الإنستغرام كان لهم مأوى وملجأ بعد ضياع الإقبال على المنتديات.  فقل: ها خيبة يضيع العمر في سردها!

 

 

 

وصور أخرى كثيرة. أكثر من أن تعد أو تحصى، تمعن النظر فيها وتتفاعل معها كل هذا وأنت تشعر بالملل، قد يتسرب القياس لنفسك: لم لست أنا من ضمن هؤلاء السعداء؟

عندها تذكر شيئاً واحداً هو أن قاسما واحدا يربط بين هذه الصور وهو أنك لا تشاهد الصورة الأكبر! لو كان مدى رؤيتك أكبر لاستطعت أن ترى أن ميمي تطلب الطعام من مطعم ولا تعده، أو عل السفرة وحدها الأنيقة في غرفة موحشة أمت عووش فسؤالها عنها لمجرد اغاظتها. عل فتى البراري والقفار، يعيش عقدة نقص، أو يبحث عن وسيلة يتقدم بها ويتميز عن بقية الرجال وعله وجدها في الفقع الذي اشتراه ثم تصور بجانبه. لو حطمت الإطار لرأيت بنت أبوها وحيدة، لأنها فضلت أن ترافق الذهب والجواهر والألماس على الناس. أما المسافر فهذا حبيس موهبة تميزه عن الهواة ولا تضفي عليه شيئاً أمام المحترفين. والمفهي عايش لحظته سعيد بما يشرب ويأكل الآن، لا يتحسر على ماضي، ولا يأبه لمستقبل ولا يدري “وين الله قاطه!”   

هم يقيدون حادثة، ولا يحتفظون بذكرى في قلوبهم، يسجلون لحظة ولا يبقون عليها في صدورهم. وصدقني قد أثبتت الدراسات أن النسبة أقل من ضئيلة لأولئك الذين يعاودن مشاهدة صور التقطوها. هم بما يعرضون من صور ثابتة أو متحركة يظهرون جزء من كل، لحظة من يوم، ثوان معدودة من حياة طويلة تتخللها الآلام والأسقام هم بشر مثلك، فلا تحسدهم على ما يبدو منهم.

انظر لأبعد من صورة مربعة، وادم النظر حولك لفترة أطول من نصف دقيقة.. أنت سعيد كالسعادة التي يقيدونها، فلا تقيد نفسك.

 

*رابعة: رقم متسلسل، يليه خامسة، ويسبقه ثلاثة..لا علاقة لهه بأي تنظيم سياسي. لحد يسحب سفيره. 

حياة في صِوَر


سؤال واحد يعيد نفسه، وفي كل مرة تكون صلصلته أشد من السكون قبله: أين ذهبت الأيام؟

 

الصورة الأولى:

ناولتني والدتي صورة لطفل يحدق عبر النافذة، تقول إن هذا الطفل كان يطيل النظر في السماء. كان يستدعي القليل من الانتباه، وفي المرة الوحيدة التي اصطدم بها في جدال مع والدته في طفولته فوبخته، وأدبته على مزاعمه هو حين أخبرها أن حذاءه ضيق، فظنت أنه يريد التهرب من المدرسة، وعلمت في آخر اليوم أن المتجر العالمي آنذاك قد باعها فردتين لقدمه اليسرى-أجلكم الله-وأنه كان على حق وقد لبس الحذاء على مضض.

كان جريئاً قياساً بأقرانه، لكنه سريع البكاء عندما يوبخه أحدهم ويعلم أنه مخطئ. أقبل على الكتب، وعلى لعب الشطرنج، وكان أخوه الأكبر منه صاحبه، فإن لم يكن برفقة الكتاب كان برفقة أخيه ولم يمنعه هذا كله بالتفوق أثناء الدراسة بالرغم من بكائه الشديد في أول يوم له في المدرسة. تضيف، كان يطيل النظر والتمعن في الأشياء بجانب السماء، تذكر على سبيل المثال “حوطة” لأحد الأعيان بالحي وبها ما اعتاد الناس تربيته من الماشية والدواجن فكان يراقبها، ولم يفهم ذات يوم حب أطفال الحي قذف القطط بالحجارة مثلاً وكأن بينها وبين والأطفال عداوة دائمة.

زار جده لأبيه مرةً واحدة، لم يطل المكوث عنده، أسبوعين على وجه الدقة. عل أبرز سمة أن هذا الشيخ كان يسمع الطفل بكل ود ولم يقاطعه حين كان يسمع الطفل محدثاً إياه بما قرأ أو ما يحفظ من أبيات شعر بالرغم من أن الشيخ عرف بالقراءة والشعر. كان يحدثه كما كان يحدث رجلاً، يسأله دون انتقاص لعقله، بل ويخيره فيما يريد فعله أو ما يود أكله، فينتفض البيت لأن الجد أراد إنفاد رغبات حفيده. ثم مضت الأعوام وقيل له أنه توفى. لم تؤثر فيه الوفاة حينها، لكنها أثرت فيه بعد أن استرجع الكثير من الأحاديث التي لم تلتقطها الصور.

تقول والدته بأنه ضاع أثناء عطلة في تركيا، وهي تضحك اليوم بالرغم من الرعب الذي انتابها حينها، حيث وجدته جالساً بجانب “معلم” الشاورما يأكل ويبكي في آن واحد! علها لم تكن المرة التي ضاع فيها أو أضاع نفسه، ولم تكن المرة الأخيرة التي بكى بها.

عل المشاهد تبدو مقتضبة ومقطّعة وليس هذا ذنباً في جانب السرد مني، لكن هذا ما تبقى مما حدّث الطفل الصبي فرواه عنه للفتى، فسرده للشاب وحدث الرجل به.

الصورة الثانية:

صورة أخرى تسقط في يدي لفتى هذه المرة، يحيه والده، يسمع منه كلمات الثناء والمدح” كفو” “هذا عشمنا فيك” عند تخرجه من الثانوية وقد توقع الجميع سقوطه وأن “يعيد” السنة لتعرض أخيه لحادث مروع أمام عينيه، نجا أخاه برحمة من الله، عل هذه الأسرة كانت تحتاج سبباً للفرح حينها. كان الفتى ذو نزعة دينية آنذاك، صحيح أنه لم يكن “مطوعاً” بالصورة النمطية التي تتشكل عند سماعك هذا اللفظ “مطوع” لكنه أقبل على كتب الدين، والكتيبات، والتسجيلات والمحاضرات والدروس. البعض فسر هذا التدين على أنه هروب، ولعمري لإن كان ذلك هروباً فما رأيت الفتى أشد طمأنينة إلا حين كان يهرب إلى الله. في هذه المرحلة تعلق بجدته فكان يطيل المكوث عندها، وينام أحياناً في بيت جده. كثير هم من فسروا الموضوع، كثير هم من أولوا، وعللوا لكن تبقى الحقيقة أنه لم يخطط لهذا، ولم يدفعه سبب محدد.

لبس الزي الأزرق ضمن مجموعة صغيرة ممن ابتعثوا من مؤسسة نفطية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، البعض لم يتمكن من المواصلة ومن تبقى ذهب مغترباً في السابعة عشر من العمر. رباه.. كم تفرقت بهم سبل الحياة. اليوم، بعض هذه الصداقات التي تشكلت، لازالت تمتد لأبعد من حياته، وبعض هذه الصداقات اختفت كما اختفى هذا الفتى ومن قبله الطفل. جاء في التقرير ما مفاده أن الفتى غير قادر على مواصلة الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية. لم تكن أول مرة يجزم فيها آخرون بفشله، ولم تكن هي آخر مرة يثبت للجميع قدرته على النجاح. وعل هذا كان نوع من الأنماط التي اعتادها، وهي أن يسعى دائماً ليثبت لغيره بأنه على صواب، ويمضي لأبعد من ذلك ليثبت لنفسه أنه على خطأ.

 

الصورة الثالثة:

هناك صورة له في الولايات المتحدة الأمريكية، يبدو من خلالها ضاحكاً لكن لا اعتقد أنه يبدو مسروراً. أمريكا كما تبين له لاحقاً تغير المرء إلى الأحسن أو إلى الأسوأ لا يهم.. أمريكا تغير فحسب. وفيها من خلال معاشرته للمئات من العرب والأمريكان، وخليط من الناس من شتى أصقاعها تغير، لم يكن تغييرا مطلقاً في إيجابيته أو سلبيته لكنه كان تغييرا دائماً. حتى كان يقول له صحبه الأمريكيون: بربك، كيف ستستطيع التأقلم مرةً أخرى في بلدك؟

لو افردت مجلداً بأسره للحديث عن شباب خليجي قبيل انتشار الانترنت في أمريكا، لكان أكثر متعة من كتب بعض المغتربين اليوم. تخيل أن يذهل هؤلاء أمام التقدم العلمي لرسالة نصية تحتوي الواجب كملف وورد، عندما نسي أن يأخذ واجبه إلى الكلية! إيميل، جعله يمضي الليل في دهشة مع صاحبه وهما يفكران: أين يتجه هذا العالم؟ كان الناس في أمريكا قبيل الانترنت يتبادلون النظرات، والأحاديث التي يتخللها ود أو بغض، البعض يريد أن يصبح مسلماً والبعض يريد منك أن تصبح نصرانياً على بعد أمتار فقط ممن أراد منك أن تحدثه عن الإسلام! واليوم تحدث جرائم قتل في جمع من الناس ولا شاهد عيان لأن الجميع مشغول بالنظر في هاتفه، مسحور بعالمه الافتراضي بعيداً عمن حوله.

تخيل ضحك هؤلاء على أحدهم حين قال: يا الربع والله العظيم في شي اسمه غوغل شكله أحسن من ياهو.. تخيل أن ترى شبابا يرون العراق يقصف، وبعدها أحداث سبتمبر، وأمة كاملة تبغضهم لا شيء سوى لأنهم ينتمون لنفس الدين الذي قام به أفراد من أمة تفوق المليار نسمة. هذه الحوادث وغيرها شكلتهم في قوالب قد تختلف عن القوالب التي ألفها المجتمع، لذا فإن كثيراً منهم اضطر للتخلي عن بعض قناعاته، والبعض اضطر للعزلة. أما عن صاحبنا فإنه وبعد التخرج آثر أن يربط نفسه بسلسة من التغرب سواءً للعمل في عرض البحر أو في دول مجاورة. عل الشاب ألف الغربة، لكن هذه المرحلة يغلب عليها الضياع وكثير من كتب الأدب. قد يستغرب البعض المرور على أمر كهذا وأعني بالأمر “الضياع” بكل هذه الأريحية لكن قل لي بربك هل لك أن تعثر على نفسك دون أن تفقدها؟

ثم اكتملت الصورة (بها)، ومن بعدها أزداد عدد من بالصورة فكانت ابنته، ومن بعدها ابنه حفظهما الله. فذابت سعادته في وجودهم، وصارت سعادتهم سعادته، وصاروا هم معنى الحياة الذي يبحث عنه.

 

كم من الصور وددت لو حدثتكم بها لولا ضيق الوقت ومخافة السأم، كم من الصور ظلت ثابتة مكانها، وكم من الصور سقطت، منها ما نُزِع بيد أصحابها أو بيد صاحبنا، ومنها ما سقط بفعل الزمن. حين أتفكر في أمر هذا الجيل الذي ينتمي إليه صاحبنا فأنا أعجب له، إذ أنه أتى على الناس زمان كانت فيه السعادة فائضةً في الطرقات تلقاها في محيّا كل شخص، بدون تصنع أو تعقيد يصاحب أي أمة يصيبها الثراء، زمن أدرك نهايته. عاصر مجتمعاً متراحماً، بسيطاً بعيداً عن التكلف، “على قلب واحد” كما يقال ثم لازالت السعادة في شح ونقصان يسد مكانها المال، نبحث عنها هنا وهناك فلا نجدها، حتى صار الأخ ينزعها من أخيه، غير مكترث أن يبني سعادته على حزن غيره.  وقد نال صاحبنا حظه من السعادة لا بعلم يمكنه ولا بعمل يجزى عليه، بل بفضل من الله. واليوم تضمه جدته، تمازحه قائلة: لحيتك بيضة فيبتسم قائلا: “زماني وزمان غيري يمه؟” الحق بأن الحياة ليست قصيرة، لكنها سريعة إلى الحد الذي يختلط عليك طولها، فتود أنك لزمت عهداً دون أن تشيعه لآخر.

وحدهم الذي لاعبوا الطفل ببراءته، وتحدثوا للفتى بحماسته، وجالسوا الشاب مستمعين لأحلامه هم الذين فاضت أعينهم حين تقدمهم نفسه هذا الماثل أمامهم، هذا الرجل ليؤمهم ذات يوم، عندما ولد ابنه مشعل فما استطاع تجاوز “ولسوف يعطيك ربك فترضى”

 

كتبت أثناء نظري للسماء.

رائد ذو الخمس والثلاثين عام 

 

أب واحد، ومليون خيار

مقدمة

أن تكون أباً لطفل هو أن تكون مسؤولا عنه في طفولته، ومسؤولاً تجاهه في شبابه.

===

الحياة لا تمهلك متى ما علمت أنك ستكون أباً. فجأة أنت أب عليك أن تتخذ قرارات أبدًا ودائما. تختار اسمه، ملبسه، مطعمه، ألعابه، الوقت الذي يمضيه أمام التلفاز، ما يشاهد؟ تذهب به إلى المستشفى أم تداويه في البيت؟ تصدق استشارة هذا الطبيب أم تذهب به لآخر؟ قرارات تتفاوت في أهميتها، بعضها له نتائج فورية كأن تعلمه اسم شيء ما ليقول هذا أمام غريب فتزهو بذكاء ابنك المتقد، وبعضها لن تعلم فائدته حتى تودع قبرك فيقال لك “هذا دعاء ولدك لك” وفي كل نقطة هناك خيارات لا تعد ولا تحصى. ستصيب أحياناً وسيجانبك الصواب أحياناً أخرى، لا تقلق يبدو الأمر مخيفًا. ما يهون عليك هذه القرارات هو أنك لا تتخذها بمعزل، هناك شريك حياتك، هناك الأهل والأصحاب، وحتى عهد قريب الحكومة الموقرة.

ماذا؟ الحكومة.. نعم يا ولد يا شيوعي؟ يا يساري، يا عدو الله. على رسلك. نعم الحكومة أليست تقدم الرعاية الصحية، والتطعيم، والتعليم.

آه يا التعليم. أتكلم؟ طيب أتكلم.

حتى عهد قريب كان تعليم الأبناء موحداً، مناهج موحدة وطاقات تعليم متفاوتة تعتمد على تقييم دوري من جهة موحدة. كان هناك حد أدنى من التوقعات، لم يكن التعليم OMG لكن كشخص ذهب للولايات المتحدة الأمريكية أستطيع أن أقول أننا كنا متفوقين في المواد العلمية والرياضيات تفوقا ملحوظا، كانت الإنجليزية تنقصنا بجانب بعض المهارات التي كان ينبغي التركيز عليها كالإلقاء، وروح العمل الجماعي في الميدان الدراسي. لم يشك والدي ذات يوم أنني قد اتعثر أو اتأخر عن أقراني، كان يثق في ورقة خضراء مكتوبة، ثم أصبحت ورقة بيضاء مطبوعة تسمى شهادة اختبارات. لم يظن أن أبناء عمي يتلقون شيئاً لا اتلقاه، لم يتحسر أو يبادر بالسؤال عن أحسن مدرسة، الخاصية الوحيدة التي كانت موضع البحث هي المسافة من المدرسة للبيت، ووجود أبناء عم أو أقارب فقط.

ما الذي تغير؟

كل شيء.. تم تطبيق استراتيجية #تبي_تحيره؟_خيّره! أصبح هناك مدارس ذات خيارات لا نهاية لها منذ فترة الحضانة، مناهج مختلفة، طاقم تدريس من شتى أصقاع الأرض ذوي ألسنة مختلفة وديانات وهويات لا تستطيع حصرها، وعليك أن تختار. هذه الحضانة تنمي الانضباط وتلك تنمي المهارات الحسابية. عليك ألا تنسى المنهج، هل تريد ابتعاث أبنائك لبريطانيا، الولايات المتحدة أو جامعة قطر؟ لأن هذا سيحدد النظام الذي سيتبعه فلذات كبدك لسنين عديدة، هل هو النظام البريطاني؟ أم الأمريكي؟ أم الإسباني؟ أصبح القرار قرارك وحدك الآن، أنت مسؤول عن جودة تعليم أطفالك، يتم صرف قسائم لك ولك الحرية الكاملة لكن يلاصق هذه الحرية مسؤولية تتحملها أنت ويعيشها هم. لا يهم ألا تملك المؤهلات التي تعينك على اتخاذ قرار هام كهذا، لا يهم أن تضيع سنوات في نقل ولدك من مدرسة إلى أخرى لأن هذه المدرسة ترهق الطفل بالواجبات المنزلية أو من نظام لآخر لأن الموضة النظام الموزمبيقي مثلاً لأن خريجي الموزمبيق خوش أوادم. لديك الحرية الكاملة وأنت مسؤول عن أطفالك وبعدها مسؤول من قِبَلِهِم، وعلى كاهلك فقط تقع أعباء المسؤولية تتحمل ألا يحصلوا على الحد المناسب، أو المستوى المطلوب، لأنك لم تسع لقبولهم في المدرسة الفلانية ذات النظام الفلاني، والتي أدت لتخرجهم بمهارات وبمستوى يتطلبه سوق العمل.

باب الحيرة، فصل الشك (وفيه يتحدث مربي الطفل إلى مربي طفل ذو خبرة في مكان عام)

أولاً دعني أرحب بك رسمياً في النادي: Welcome to the club baby!

سألته بكل حماس: عفواً، ما هي أحسن مدرسة؟

يضحك عالياً، تسقط منه أوانيه الفضية. ثم توقف عن الضحك لأنه يريد مواصلة أكله، لا لأنه تعاطف معي، سألني:

هل تمتلك كمبيوتر؟

وما شأن هذا بسؤالي؟

احلم علي، واجبني عن سؤالي.

قلت: نعم، امتلك واحداً.

فقال: “وهل سألتهم حينها بأنك تريد أحسن كمبيوتر؟ أنت أردت كمبيوتراً محددًا يناسب احتياجاتك، وكذا هي مدارس هذا الزمن يا صديقي. لا وجود للأحسن، عليك أن تحدد أولوياتك كأب وتبحث عن أنسب هذه المدارس وأكثرها ملائمةً لأولوياتك. مثلاً، أنا على علم أن مدرسة أبنائي(وذكر من المصائب في المدرسة ما أفقدني شهيتي) لكن أردت مدرسة فيها (هل قطر) كي تنشأ علاقاتهم بمن هو في سنهم وكي لا ينشؤوا غرباء عن مجتمعهم.” أخذ يمضغ طعامه في تلذذ تام “ليس الآمر بذلك السوء يا عزيزي.. كل كل..”

قلت في يأس: ماذا لو فحصت المدارس كلها؟

ستفوت فرصة الالتحاق بالفصل الدراسي، والفصل يتغير من نظام لآخر. ولن تزيد على نفسك شيئاً سوى الحيرة والقلق من أنك لم تصب في اختيار المدرسة المناسبة عند وقوع أي مشكلة. ستفتح أبوابًا للشيطان بعدد الخيارات التي كانت متاحةً أمامك. ستفكر، يمكن لو الحقتهم بالمدرسة الفلانية التي زرتها كان أجدى وأنفع؟  يمكن..حتى لو كانت المدرسة بعيدة ومع زحمة السير الناجمة عن بيت التقويم القطري، لأنه طالع نحس، في موسم الزحمة، يمكن أحسن؟

سرحت، عدت بنفسي إلى زمن دراستي: والدي مر بمرحلة اختيار ذو معطيات محددة، وأنا أمر بمرحلة انتقاء أشبه ما يكون بالعشوائي، نظراً للخيارات وآلاف المتغيرات. حين قل تحصيلي العلمي، لم يحس والدي بالذنب لأنه أخطأ في اختيار المدرسة، لأنه وثق في الوزارة حينها بأن تكفل له هذا القدر من راحة البال، وعلم أن التقصير مني. والدي كان يتعاطى مع تعليمي على أنه عملية مشتركة بينه وبين جهة حكومية. أما أنا، فمن لي سوى نفسي ألومها إن لم أحسن الاختيار أو الانتقاء لولدي وابنتي؟  انتبه لنداء صديقي: رائد..رائد

هلا؟

شبلاك يالظيب؟ (ما الذي دهاك أيها السعلب؟)

===

جانب آخر بات جليًا لتطبيق استراتيجية #تبي_تحيره؟_خيّره!  انعدام التجربة المشتركة، ما الذي أعنيه؟ جيل النشامى والأجاويد يذكر تمامًا تسمرنا أمام التلفاز عند هطول الأمطار لأننا نود معرفة ما إذا تعطلت المدارس بسبب أمطار الخير؟ هذه تجربة جماعية واجتماعية لها علاقة بالتعليم. “وصلتوا أي فصل؟” كان من ضمن الأسئلة التي تطرح قبيل الامتحانات، لأن الامتحانات كانت موحدة وهناك تجربة جماعية تتمثل في تذمر الآباء جميعًا من صعوبة امتحان ما، أو تقديرهم لولد الفريج الذي استطاع تحقيق نسبة عالية قياساً بكل أحد مرحلته بالدولة. هذه الظواهر الاجتماعية آخذة في التلاشي بسبب تشعب التجارب التي تنجم عن تنوع الخيارات المتاحة أمام الآباء، فينشأ كل طالب على حدة، وكل عائلة تمر بتجربة مختلفة. ما الذي ينشأ عن هذا كله؟ تجمعات بشرية قائمة على تجارب فردية، مقابل مجتمعات يربط أفرادها تجارب مشتركة وحينها لن تزيد محاولاتنا لتأصيل الهوية عن طلاء السطح ومعالجة القشور.

 

كلمة أخيرة:

إلى مجلس التعليم الجديد، وفقكم الله

قديما أردت القضاء، لكن وجلت من أن قاضيًا في الجنة، واثنان في النار.

وحديثًا أردت التعليم، لكن عدلت.. لأن الغلطة بجيل.. فالله الله في أحفادنا، وأحفادكم.

صور ذهنية

حدث أن حجزت في فندق ذات يوم لأن ابنتي منيرة، وقد كان عمرها عامين حينها، أرادت “ببح!” أي السباحة. ففعلت، وتجهزت بحماس بالغ، عل هذ الاندفاع هو إحدى وصمات الرجل متى ما كان حديث عهد بالأبوة. اشتريت كل ما يلزم، سبّاحة صغيرة تلائمها، واقي للشمس للأطفال، “تبس: تشبس” حتى انستني التفاصيل ما أصبو إليه. فعلت كل هذا وأنا جذل من فرط السعادة ولم يبخل علي خيالي برؤيتي معها نسبح سوية، بل أغوص لأخرج فجأةً فتضحك في براءة وسعادة. نعم! وفي هذا كله سوف أحاول نزع السباحة من يديها لتبدأ تعلم السباحة منذ الصغر، فتفعل في خوف بادئ الأمر ثم لا تلبث حتى تسبح وحدها وأشجعها بكلمات مثل “شاطرة بنيتي” وغيرها من عبارات الفخر والمدح. أحسست أني سأفوز بجائزة الأب المثالي ويتم تكريمي عالمياً!

وصلنا الفندق، استقرينا في الغرفة، فقلت بفارغ من الصبر: هيا لنذهب! فحثتني والدتها على الصبر، لأن منيرة لم تأكل بعد. اقتنعت وأنا انظر للمسبح من بعيد، وأرى أطفالاً صغاراً يلعبون فشملتهم الصورة الذهنية، ومنيرة تلعب معهم بكل فرح. نزلنا سويةً بصحبة والدتها التي قررت أن تشاهد وتصور ابنتها في هذه اللقطات التي أقنعتها بها، كانت تسألني منيرة: بابا إينه ماي؟ وأنا أضحك قائلاً: عما قليل يا منيرة..عما قليل يا صغيرتي. حتى وصلنا، فوقفنا نختار مكاناً نحط به رحالنا، ثم وقفنا على حافة حوض السباحة أحسست بيدها الصغيرة تترك يدي، ورأيتها تجذب والدتها.

“بابا ما تبين”

“ليش يا منيرة؟ هذا الماي؟ دقيقة..” رأيت أن خير مثال هو أن أكون قدوة لها. نزلت في الماء، لشدة ما كان بارداً..لكن سرعان ما تأقلمت عليه، لا بأس ستحس مثلي أول الأمر ثم تلعب في الماء بكل فرح. وفجأة وإذ بطفل أحسبه من بعض الجمهوريات القريبة -علها المكسيك -يقفز في الحوض وهو يصرخ: شوفني يا سعد! شوفني.

أصابني بالماء في وجهي تمتمت “ألا تباً لك، ولسعد فوقك.” حتى إذا جاء سعد، واختفت الشمس وراء جسده فقفز ولا أدري هل رأت منيرة ذعر والدها حين طار هذا المخلوق الذي يبلغ طوله متر ووزنه على أقرب تقدير ٤.٦٧ طن؟ كل ما أذكر أن منيرة ذعرت وأخذت تصرخ: “ما تبين ما تبين..”

خرجت مبللاً، جثوت على ركبتي. يا بابا صدقيني “سعد شكله نباتي، ياكل بطاطس، نوتيلا وهامبرغر بس.” والمسمى سعد يصرخ في ضحك لمن معه “شوفني أغرق أغرق..” همست: سحقاً! لا أخفيكم كنت أفكر في كيفية إغراق سعد، لكن وبعد سنوات في الهندسة والرياضيات تبين لي عبر عملية حسابية سريعة أني احتاج لمكينة سيارة (سعة أربعة سلندر) لتثبيت سعد في أسفل الحوض.

“رائد، دع البنت وشأنها. خلاص هي غير مستعدة الآن، وستكون ذات يوم” قالت لي والدتها وهي تحضنها وتهدأ من روعها.

“أغرق.. أغرق” يصرخ هذا الشيء في الحوض وهو يضحك، بل لا أبالغ حين أقول أن ضحكه كان يرسل بموج في ثنايا المسبح وزواياه. يمكن هذا ما حدثنا عنه أهل الغوص قديما؟ يمكن هذا هو بودرياه؟

“لكن؟ لكن دعينا نجرب حظنا مع مسبح الأطفال هناك” تلعثمت وقلت على عجل لم أفقد الأمل، باتت محاولة أخيرة ذهابنا لحوض الأطفال. مشيت بخطىً ثقيلة، لا تعوزني الهمة ولا يثنيني ثقل الماء إلى داخل حوض الأطفال حتى بلغت أوسطه إذ يبلغ الماء إلى ركبتي “ها يا منيرة؟” ابتسمت راجياً إياها ألا تحطم هذه الذكرى التي أود أن أحفظها في شيخوختي إن مد الله بعمري. تردَدَت، أرادت أن تقبل وإذ بالماء من حولي يضطرب، بدأت أشعر بهزة وأخذت تشتد عنفاً فقلت لنفسي: “زلزال؟ لا.. واليوم الأربعاء ويوم القيامة يصادف يوم الجمعة!” وإذ بسعد يركض ويتمايل شحمه في كل اتجاه ويتشكل جسده بسرعة فائقة: مربع، مسدس، خماسي، مستطيل.. مدور، مكعب، متوازي أضلاع وهو فاغر فاهه يتدلى منه لسانه ويسيل لعابه على ذقنه، وصراخ من حوله ومن خلفه وفي يده طفل صغير.  أردت أن اتشهد لأني أيقنت أن جسدي سيتحطم أمام ارتطامي بخده الأيسر. لكن سعد توقف فجأة، عند حافة الحوض كأدق ما أنت ناظر إليه من السيارات الألمانية بخاصية مكابح الABS  بالرغم من أن شحمه لم يتوقف عن الارتجاج.

تباً سيأكله! سمعت الدعاة يحذرون من الذئب البشري، لكن لا احسبهم مروا بهذا المخلوق “الدب البشري” هذا ما حدثني به عقلي، مددت ذراعي، نحوه هممت بأن أقول: بطلب لك أكل لكن لا تأكل الصغير.

وعندها أخذ الصراخ يتحول من جمل مبهمة إلى عبارات مفهومة. كان مصدر الصراخ سيدة مكسيكية تصدح بصوتها: “نزّل أخوك يا سعد، نزله يا سعد بسرعة.” وإذ بسعد يضع الطفل حتى بطنه في الحوض وهو ممسكٌ به من ذراعيه. التفت إلى صغيرتي، أحاول الابتسام في وجهها دون أن يبدو القلق واضحاً وأحاول فهم الظاهرة البشرية الواقفة أمامي. ثم أن سعد سأل الطفل الصغير: “ها خلاص؟”

هناك لحظات تمر بعقلك، يرفض فيها أن يجري أي عملية حسابية، يرفض أن يكون أي شيء سوى وعاء يربط بين طرفي أذنيك من الداخل.

 لحظة.. مخي يسألني: شالسالفة؟

رددت: من فينا المخ، أنا ولا أنت؟

حتى سمعت الصغير وهو يضحك بارتياح: إيه خلاس!

عندها صرخ مخي في: “ما تبين ما تبين” ركضت خارج المسبح، ويقال إني ولسرعتي مشيت على الماء! الله يقرفك يا سعد أنت وأخوك على المكسيك فوقكم. حملت منيرة فوق كتفي، وهي تضحك، ووالدتها لا تكاد تصدق ما عاينت، لكنها أخذت تلتقط لنا بعض الصور. رجعنا إلى الغرفة كان هناك حوض استحمام صغير ملأناه بالماء وأخذت تسبح منيرة بداخله، وترش الماء في كل اتجاه بكل فرح وشاركتها وأنا مسرور بضحكها الذي لا يقل قدراً عن تلك الصورة الذهنية التي تشكلت في مخيلتي بدون ذعر منيرة، ولا حجم سعد، ولا أم سعد…يخرب بيتك يا سعد!   

لكنها نامت سعيدة، علها نست سعد وبت ليلتي أحلم بكوابيس يأكلني فيها سعد ويضحك فيها الصغير وتصرخ أم سعد فيه: أكله يا سعد! أكله بسرعة..

 

خاتمة:

جميعنا يحمل صوراً ذهنية، صور لأفراد عائلتك، لأصدقائك، لزملاء عملك، حتى لوطنك!  يقومون في هذه الصور الذهنية بما توده أنت وتتوقعه منهم. لكن قد يكون الواقع مغايراً لذلك، قد تتحطم تلك الصور أمام ردود أفعالهم، وعدم رغبتهم في أن يكونوا جزءً مما رسمت في مخيلتك.

هناك ثلاثة أمور علمتني إياها منيرة في ذلك اليوم:

الأمر الأول: هو ما صاغه كريستينسون في كتابه “كيف ستقيس حياتك؟” وما رمت إليه والدة منيرة بالفطرة وبحنان الأم من أن الأطفال سيتعلمون حين يكونون مستعدين لذلك، لا حين نكون نحن مستعدين لتعليمهم. دليل ذلك أن ابنتي طلبت مني بعدها “ببح” ففعلت الشيء ذاته دون أي حماسة أو أي اندفاع، أو ارغام مني لأجدها تسبح في البحر بكل سعادة وثقة. بل كنت أرجوها أن نخرج من البحر فتقول: ما تبين!

الأمر الثاني: أن هذه الصور الذهنية تكون أيسر لمتخيلها، وأكبر حظاً في التشكل على أرض الواقع متى ما شاركناها أصحابها. كأن تعلم الشعوب ما يريد منها قادتها؟ وأن يعلم القادة ما تريد الشعوب منهم؟ لا أن يبقى الأمر محصوراً في التخمين، ومبدأ: الشيوخ أبخص.

الأمر الثالث: أن الرحلة مهمة بجانب الوجهة. بقدر ما أردت أن أحفظ شيئاً محدداً وهو النتيجة أي ضحك ابنتي، لكن وجدتني أحفظ التفاصيل وما واجهناه من مصاعب ومتاعب، وهي ذكريات لا تقل سعادةً عن النتيجة التي حصلت عليها بطريقة أخرى. 

الأمر الرابع وعله الأهم: تجنب السباحة في أي حوض تسمع بداخله اسم “سعد” 

spiderman،الـهنـدي، والطبـيـب..

المجانين ليسوا بذاكم الجنون، إن قبل المرء منطقهم.”

غابريل غارسيا ماركيز

كثيراً ما استهوتني روايات وقصص تتحدث عن سهولة فقد الإنسان العاقل لعقله كرواية “الراهب الأسود” لأنطوان تشيخوف أو “لقد أتيت فقط لاستخدام الهاتف” لغابريل غارسيا ماركيز. وقد كنت أعارض فيما قبل القول الذاهب بأن يفقد الإنسان عقله دفعةً واحدة حتى جرت أحداث هذه التدوينة.

===

الفصل الأول: الليلة الكبيرة: وفيها تحدث الفاجعة

التوقيت: ما بعد منتصف الليل.

حدث في ليلة من ليالي الله أن أردت ممارسة الرياضة مدفوعاً بالإحساس بالذنب مما “طفحت”، فقلت لنفسي ولم لا اركض في مضمار سباق النادي الموجود في قلب الحي؟ نعم، لم لا؟  فالجو بديع، والعملية لا تكلف سوى الإصرار والعزيمة.

فقالت نفسي: بسم الله الرحمن الرحيم! روح نام الحين وعين من الله خير.

فأبيت، وامتنعت وقلت لها: بتروحين غصبا عنج ولا أوديج بيت الطاعة.

فقالت: حسبي الله عليك… حسبي الله عليك. يا ولد (ادخل اسم أم الكاتب) وهي تأن كأنها الممثلة حياة الفهد حين تسمع بخبر زواج أب أولادها بأخرى تصغرها في مسلسل رمضاني.

ذهبت، وركضت قدرا لا بأس به، حتى أرهقت نفسي بالركض وقد جاوزت الساعة واحدة والنصف فجراً. الغريب في الأمر أني لم أكن وحيداً، أي أنه كان هناك نفرٌ من الناس يمشون ويركضون “كلهم يحسون بالذنب مثلي؟ كلهم طفحوا مثلي؟” هذا ما دار في ذهني. أحسب أن شعور المرء بالمصيبة يخف بقدر المصابين بها. وفي اليوم التالي، وبدون مقدمات، أثناء تواجدي في الشارع أصابني ألم في قدمي اليسرى-أجلكم الله -أخذت أعرج، وازداد الأمر سوءً حتى عجزت عن مواصلة المشي. بدت لي المسافة إلى مكتبي لا متناهية. أخذت ابحث في الجدار بجانبي عما اتكئ عليه، ورحت أمشي على هذا الحال معتمداً على الجدار بيدي بكل بطء حتى خشيت أن يمر بي طفل فيصرخ: Spiderman متقاعد Spiderman متقاعد!  “الصحة تخون، ولا تدوم” هكذا تقول جدتي – حفظها الله -دائماً، تذكرت قول امرؤ القيس:

فلو أنها نفسٌ تموتُ جميعة *** وَلَكِنّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أنْفُسَا

الفصل الثاني: التشخيص العظيم: وفيه يكتشف البطل أموراً لم يعرفها عن نفسه ذات يوم.

بلغت المكتب، وبت في حيرة من أمري، ذلك لأني كنت مسافراً في اليوم التالي، ففي الأمر مشقة ولا أدري إلى أي مدى يبلغ تحملي مع هذا الألم الذي يحد من حركتي ويقيد خطوتي. لذا نويت، وجمعت أمري أن أذهب إلى قسم الطوارئ بمستشفىً حكومي، حتى إذا بلغته بشق الأنفس. جلست، وانتظرت.. ثم “خست” ثم دخلت بعرجتي بعد طول انتظار على الطبيب المناوب تتبعني وتسبقني عيون الحسد والحقد من بقية الجلوس في غرفة الانتظار. وقد بدا الطبيب لي شاباً، عله كان أصغر مني سناً. ألقى عليّ التحية وسألني بكل رتابة والممرض يقف فوق رأسي: ما المشكلة؟

فقلت: ألم بقدمي أجلك الله.

“هل وقع شيء على قدمك؟” يبدو الملل واضحاً في نبرته، وما شأني إن كان يتوقع من مهنته من الحماس وإنقاذ الأرواح ما لا يلقاه في رجل ثلاثيني يشكو ألماً في قدمه!

قلت: لا..، لكني زاولت الرياضة في ليلة الأمس.

“قبل كم ساعة تحديداً؟” في هذه الأثناء كان يشخبط في الملف، أحلف بالله إنها خربشات يهرب بها الطبيب من الملل، وليذهب أحدكم إلى ما بعد الشمس إن أراد أن يقنعني بغير ذلك!

“انتهيت في الساعة الثانية فجراً.”

هنا وقع القلم من يده ونظر إلي: عفواً؟

ما الخطب؟

في أي ساعة زاولت الرياضة؟

بعد منتصف الليل. أجبت بحماس واضح. انتظرت منه أن يدق جرساً ما ويجري تكريمي من قبل طاقم المستشفى كشخصية العام الرياضية، لكن شيئاً من هذا لم يحدث. تبادل النظر مع الممرض، ثم نظر إلي وعيناه تلمعان كأنما بُثت فيهما الروح، وعم سكوت أخرق الغرفة. ثم سأل وهو متردد:

هل يحدث هذا كثيراً؟

لا، هي أول مرة يصيبني فيها هذا الألم.

لا..، أعني أن تركض ليلاً؟

ما علاقة هذا بالألم الذي يعتريني؟ بدأ وجهي بالتقلص بفعل الألم، وتباً للتوقيت إذ فتح هذا التعبير على وجهي جحيماً من الأسئلة.

هل تتضايق من هذا النوع من الأسئلة؟

أي سؤال؟

نظر إلى الملف ثم نظر إلي مرةً أخرى. رائد؟ هذا هو اسمك؟ في أي قطاع تعمل إن سمحت لي بالسؤال؟ وهل يتطلب هذا منك الركض ليلاً؟

آه.. في ريادة الأعمال حالياً.

حالياً؟

نعم، كنت مهندساً في السابق. اسمع..أنا..

قاطعني: هل أنت مستعجل؟

“نعم.”

هل كان يركض أحدهم معك؟

استطردت.. وأعدت السؤال على نفسي ” هل كان يركض أحدهم معك؟”

والطبيب والممرض يمدان عنقيهما: ها؟ إيه؟

قلت: إي. إي. كان هناك شخص هندي يركض ثم توقف وأكملت الركض.

توقف وهنا انكب يشخبط مرةً أخرى في الملف بانفعال واضح، بدت الخربشات أكثر وضوحاً بل لا ابالغ إن قلت أنه كان يحفر خربشاته لا يكتبها.

ثم سأل كأنه يسأل طفل، يقطع الكلمات ويمدها: ما الذي يدريك بأنه.. هنــــــدي حقاً؟

مسكت بصدغي ونظرت إليه في حيرة. هل يظنني مجنوناً؟ ثم أن ألماً حاداً أصاب قدمي فقبضت بشكل مفاجئ على قدمي. وأنا أنظر إليه فما كان منه وممرضه إلا أن جفلا وقد بدا الذعر واضحاً عليهما.

تباً.. لن استطيع دفع تهمة الجنون عن نفسي الآن! أنا في أقل تقدير، مريض نفسي وهو ينظر إلي بشغف علمي وخوف في آن واحد. بل إن الجنون هو كل الجنون في دفع التهمة الآن، أي شيء سأقوله قد يفسر على أنه هلوسة، وتخيلات. لا تهم الحقيقة الآن بقدر ما يهم فهمهم لها. فهمهم وإدراكهم هي الحقيقة الوحيدة وإن كانت الحقيقة مخالفة لذلك فلا يهم. استطيع أن احلف، لكن هل الحلف يدفع شبهة الجنون عن المجنون؟

رائد رائد؟ انتبهت وإذ بالطبيب يناديني، ابتسم ابتسامة مصطنعة، تلك التي تحتمها الوظيفة كابتسامة مضيفة الطائرة “هل ممكن أن نعطيك إبرة بسيطة؟”

إبرة؟ لا..ما رأيك في أن آخذ حبوباً ثم أعود لك متى ما انتهيت من رحلة العمل؟

هل واثق أنت من أنك ستعود لزيارتنا؟

بكل تأكيد، وبدون أدنى شك! ابتسمت ثم رحت احملق في زاوية خاوية، لإضافة اللمسة الأخيرة على هذا الجنون الذي شخصني به.

حسناً إلى اللقاء يا رائد

الله ياخذك دكتور.

ما ذاك؟

في حفظ الله دكتور.

ثم سأل الممرض بأن يرافقني إلى الصيدلية حيث أخذت الحبوب وانتزعتها من يد الصيدلي في عصبية واضحة، ثم انطلقت إلى الخارج، فطلب الممرض مني أن انتظر لوهلة لكني بدأت العدو وأنا أعرج خوفاً من أن يقبض علي فأطيح أرضاً وأنا أصرخ كأني والد البطل الهندي في أول الفلم، ويقتلني رئيس العصابة وهو يضحك.

أخذت ألهث، فرحت لأني هربت من يديهما بعقلي والحبوب. نعم الحبوب، تناولت الحبوب ويدي ترتعش من فرط الفرح، جلست على العشب وإذ برجل يعرفني فحياني، قائلاً: عسى ماشر؟

قلت: الشاورما تجيك! (وقد عنيت: الشر ما يجيك) من فرط الفرح والاستعجال. ألم في رجلي أجلك الله.

ابتسم قائلاً: وما حاجتك لحبوب الزكام بيدك؟

نظرت للحبوب، ونظرت لرجلي، نظرت للحبوب ونظرت لرجلي مرة أخرى. أخذت أضحك وأبكي.. وأنا أقول: والله هندي.. والله هندي!

خاتمة:

بقيت على حالي مدة أعني العرج لا الجنون مدة. لجأت إلى الله، وأصررت على صلاة الفرض في المسجد متمثلاً بقول الشاعر:

أسير خلف ركاب النجب ذا عرج — مؤملا كشف ما لاقيت من عوج
فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا — فكم لرب الورى في ذاك من فرج
وإن بقيت بظهر الأرض منقطعا — فما على عرج في ذاك من حرج

وحده الله، ينظر إلى فلا يشتبه عليه شيء سبحانه، وحده يعلم دون أن أدفع الشبه، أو أشرح وأبين، لأنه -جل وعلى-لا يعنيه المال والصور، لا ينبغي أن أوضح، ولا أن أبيّن. يكفيني الاعتذار وطلب المغفرة وأن يريني رحمته كما أراني قدرته.

لم أقول هذا؟ لأن الحقيقة تتلون بلون من ينظر إليها، لا بلون من يحملها سواءً كنت فرداً أم جماعة. فقد يكون الحزب ممثلاً شرعياً لرغبة شعبٍ ما، معترفاً به عالمياً اليوم، ثم يكون تنظيماً إرهابياً مسعراً للحرب ووحشاً كاسراً في الغد وهو من ذلك كله براء. قد تكون أنت مثالاً للكمال ذات يوم بين ظهراني قومك، يفخر بك الرجال، وتدعو الأمهات رب السماوات لأبنائهن ليحذون حذوك وإذ بهم لا يلتفتون إليك بل ويتعوذون من سوء حالك، ولم تتغير أنت مقدار أنملة، لكنه الحقيقة تتلون في أعينهم.

نعم، وحده الله ينظر إلى قلبك ولا يعنيه كيف؟ ولم؟ وما أنت فاعل بعد ذلك كله؟ لهذا هربت من الطبيب إليه فبرئت.

تنويه: إذا كان ما فهمت من تدوينتي هذه بأني أصرف الناس عن الطب فقط، فعليك بنفس الطبيب الذي تحدثت عنه وعلاجك عنده. الله ياخذه ويشفيك! 

هيئة أشغال وأمنية صادقة للعام ٢٠١٤

قد يعلم الكثير ممن يتابعونني على تويتر بانتقاداتي الحادة لهيئة أشغال التي تقوم بجزء ليس هين في بناء البنية التحتية وقد كان من ضمن ما أطلقت عليها من أسماء هيئة “الأشغال الشاقة.” لأنها تحبس المواطن والمقيم على السواء عن اللحاق بأهلهم، وصحبهم، وأعمالهم. وعل ٢٠١٣ كانت سنةً خانقة، عانى منها الكل بلا استثناء، الكبير والصغير، الغني والفقير، الموظف والوزير، والشعب.. احم.. قاتل الله الاستطراد أين كنا؟ لكن رأيت من باب العدل أن اذكر شيئاً وهو أن أمر بالتحديات التي تواجهها هيئة أشغال فمن ضمنها مثلاً: 

التضخم السكاني الذي كان نتيجة حتمية للاقتصاد القطري، وعدم حد وسن القوانين لإعطاء رخص القيادة لكل من وفد على البلد. أضف إلى ذلك المشاكل الفنية كإرساء العقود التجارية، والمعضلات القانونية، والإشكالات اللوجستية كعدم توافر مواد البنى التحتية، والفوز باستضافة ملف كأس العالم للعام٢٠٢٢ الذي غير من مخطط مدينة الدوحة إلى حد ما، ناهيك عن التشريعات التي علها لم تسن بالسرعة التي كنا نتوقع من هيئة أشغال تنفيذها.    

الغريب في هذا كله، أن المواطن القطري يشرق ويغرب في حله وترحاله ولكن انظروا في إنستغرام فالمواطن ما زال يلتقط صور برج إيفل ولا تراه يلتقط صورة لزحمة باريس الخانقة، وتراه يلتقط صورةً لمتاجر هارودز ولا تكاد تمر بصورة له تجمعه باختناقات مدينة الضباب القاتلة، وهو شديد السعادة بالازدحام في تقاطع التايمز في مدينة التفاحة الكبيرة – نيويورك-ولا نراه بهذا القدر من السعادة في ازدحام الكورنيش وعن جانبيه البحر والبنايات العصرية الشاهقة الارتفاع. والمواطنة القطرية تراها تذهب لأقصى العواصم بدءً بإمارة دبي، وإسطنبول، وهونغ كونغ وكل صورها على الإنستغرام طعام في زحام   لتجد تعليقاً “الجو..واي يجنن وحشتيني ميمي، وسوسو..عووش لا يفوتج الكيك” على النقيض تراها تغرد بالشتائم واللعان على كل موظف في هيئة أشغال سواءً تسبب في الزحام أم لا، لأنها جائعة في شوارع مدينة الدوحة وتريد شاورما من مطعم لا يبعد سوى ربع الساعة من معدتها!  

وعليه، فأنا أهيب بإخواني وأخواتي.

التعقل يا عباد الله، والتريث يا جماعة، علينا جميعاً بالتحلي بالصبر لبناء دوحةً أجمل، وعلينا عدم التعجل في إطلاق الأحكام تماماً كما أود منكم ألا تتعجلوا بالحكم على هذه المقالة حتى تفرغوا منها، فالعبرة بالنهايات والمغرور من غرته البدايات. 

خاتمة ورسالة للعاملين بهيئة أشغال:  

شهد الله وملائكته أني لا أحمل أي من الضغينة لأي منكم في الهيئة، سواءً من الإدارة أو طاقم العاملين. أي موظف سواءً بالقطاع العام أو الخاص، يدرك أن هناك إعاقات وتحديات، وجانب كبير للتطوير، وشوط بعيد من التنسيق بين الجهات المختلفة، والتعلم من الدروس المستفادة. بل أؤكد لكم يا سادة إن صادف وقابلت أي منكم إذاً لوجدتموني هاشاً، باشاً. أحادثكم، وأسامركم، وأضحك في وجوهكم ولا أجد في صدري شيئاً عليكم إطلاقاً. راجياً منه سبحانه أن يجمعنا على كل خير.

لكن.. 

هذا لا يعني أني أتمنى ألا يطول بكم العهد في مناصبكم، وألا يجلس من هو أكفأ منكم على كراسيكم، لأن جميع ما ذكرت لم يكن سوى أعذار طابت لها نفوسكم، وضقنا ذرعاً بها. العواصم العالمية بها تحديات تفوق تحدياتنا، وقد رأينا تعامل هيئات الطرق في شتى عواصم العالم، فكان العمل على مدار الساعة وعدم إزعاج مستخدمي الطرق أثناء ذروات الزحام ينم عن ذوق وفهم. 

 التضخم السكاني كان متوقعاً، وكنتم على اطلاع بالإحصاءات والبيانات فلم تزيدوا على أن تطيلوا النظر فيها دون أي اكتراث. العقود التجارية صيغت بلغتكم وحسب شروطكم التي هرب منها الغريب قبل القريب، والمعضلات القانونية أنتم من خلقها فوقعتم في شراكٍ نصبه مستشاريكم! والتضخم في الأسعار كان نتيجة تخبطكم وعدم قدرتكم على إدارة المشاريع، وقد كنا نسعى مذ أعوام لاستضافة كأس العالم، فأي عذر وقد كنتم على علم تام بعزم الدولة على استضافة هذا الحدث وما يترتب عليه؟ والمشرعون لا يعلمون كيف هي سبل علاجكم؟ 

العاملين بهيئة أشغال، أنتم اليوم تشكلون خطراً لا على ملف استضافة كأس العالم ل ٢٠٢٢ بل تشكلون خطراً على ملف أكبر من ذلك بكثير، وهي همم الجميع التي قد تفتر بسبب إهمالكم، وعزم الجميع على النجاح لأنهم سيُرتقون ويُقدرون حين كان فشلكم الواضح والجلي في افتتاح أعمال “تحسين” الكورنيش الذي اجحفتم بوصفه: عيدية! وهل هي عيدية قيامكم بعملكم على أتم وجه؟ فكيف وقد اعتلاه كل علل، وبكل خطأ امتلأ واكتمل؟ وحتى بات حالنا في العيد ونحن نرى الإشارات المرورية تضيء بغير دراية، ورجال المرور ينظمون في غير جدوى سيرنا المتعثر، والحفر تملأ جوانب الطريق، حيث يركض العمال بفوضى في كل حدب وصوب كما قال الشاعر: 

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ …بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ.

وبحسب موقعكم الذي جددتموه، فأنتم تعتزمون معاودة العمل في نفس المشروع “الكورنيش” تحت مسمى الإغلاق الجزئي والمؤقت في مطلع ٢٠١٤. 

سألتكم بالله، أي افتتاح تمنون به علينا؟ وأي نجاح تتشدقون به أمامنا؟ 

العاملين بهيئة أشغال، 

منكم من هو لنا قريب، أو صديق، أو من رأينا في معرفته كل خير. أحبابنا أنتم و “على راسنا من فوق، لكن الوطن أحب إلينا منكم.  أتمنى جرأة في التعاطي مع فشلكم، ونوعاً من الصراحة في الحد من هذا التخبط. في هذا العام الجديد لا نريد محاولات أخرى ووعود بالتغيير في ظل وجودكم لأننا خبرناكم ورأينا قصارى جهدكم “كفيتوا لكن للأسف ما وفيتوا” أتمنى أن تعطوا المجال لغيركم، لأننا نحتاج تجديد الدماء لا المواقع الإلكترونية ولأنه وكما هو مذكور في موقعكم الإلكتروني الجديد “قطر تستحق الأفضل.” 

شكر الله سعيكم. 

بكل ود،

أخوكم المواطن الذي يهمه مصلحة وطنه ووطنكم. 

مواطن وإن كنت فوق الخمسين

اعتراف

أنا..أنا..أناني.

===

اقترب من كهولتي، ينذرني بهذا رسل الموت: شعرات بيضاء تلوح بعارضي؛ وعظام تئن في بعض الأحيان، وأمراض تتوسد جسدي فيطيب لها المكث ما اشتهت وما أرادت البقاء. الله بالخير يا جهاز المناعة!! وين الرياضة، والغذاء الصحي، والفيتامينات، وتقليل الدهون، والابتعاد عن النشويات؟ عل أحسن ما قيل في التعاطي مع هذا كله مقولة أحد الشيوخ إذ هم بأكل الدسم والشحم قبل اللحم، فقام أحد الشباب واعظاً: “يبه، السكري” فنظر إليه الشيخ بكل ازدراء “هذا السكري لو حشمته ما حشمك” 

ما الذي أخشاه مع تقدم العمر؟ أهو الموت؟ نعم أخشاه وقد خشيه من قبلي من قدم لآخرته أكثر مما قدمت واقترف من المعاصي أقل مما اقترفت، إلا أن الموت مصير كل حي ولا يؤخره حرص أو يؤجله أمل. ما أخشاه بالإضافة إلى ذلك هو أن أموت قبل أن أُقبض! علك الآن ترميني بالتعقيد، بالخرف، أو بالفلسفة. لكن هذا ما أبلغ وصف لما أود الحديث عنه اليوم وهو المصير الذي يلاقيه الكثير من المواطنين اليوم: ما فوق الخمسين سنة!

كيف يحدث هذا الموت بالضبط؟ لا أدري حقيقةً…! كل ما أعرفه هو أن المواطن يكون في قمة عطاءه، في قطاع ما، في مؤسسة ما، وكل من تعامل أو عمل معه يصفق قائلاً: “لا يوقف..لا يوقف” يبلغ نفس المواطن الخمسين من عمره وفجأة “صار الواوا بح!” 

 هل تقاعد؟ لا.

هل هو على رأس عمله؟ لا. 

أهذا لغز؟ نعم ولا. 

تأمل محيطك. ستراهم في بيتك، في عترتك أو عشيرتك، في حّيك أو من ضمن معارفك. هم لازالوا أحياءً في السجلات، وفي المعاملات الرسمية، هم موجودون على ظهر المعمورة، يعيشون بين ظهرانينا، تتكدس بهم المقاهي، وتكتظ بهم الأسواق، وتزدحم بهم الطرقات، تجالسهم في المجالس لكن هناك ما يشبه الحاجز الشفاف بيننا وبينهم، لا يستطيعون معه أن ينفذوا إلى المجتمع أو إلى سوق العمل بالرغم أن لديهم الكثير مما يستطيعون إضافته والإدلاء به. بالرغم من جهودهم، وإخلاصهم، وطاقاتهم لكنهم أُهِملوا، لم يُركن إليهم بل رُكِنوا بعيداً عن الأضواء على رف من رفوف النسيان.

قد تجلس إليهم، أو تلجأ إليهم في أمورك الشخصية، قد تستشيرهم وتأخذ برأيهم لأنك تطمئن لجانبهم، ولا تحتاج لأن تشرح لهم ما تمر به لأنهم سبقوك إلى حيث هم الآن. هم يفهمونك دون الحاجة لدراسات استشارية أو مسوحات استبيانيه. “قلبهم عليك” وعلى البلد من قبلك. لكن إلى هذا الحد وعنده ينحسر دورهم، في القالب الاجتماعي فقط. حضور عرس هنا، وتقديم عزاء هناك، والجلوس في المجالس. بالإضافة إلى البرامج التراثية التي ينزلون ضيوفاً عليها لا كبر سنهم، بل لحداثة عمر مقدم البرنامج! حتى لو أن أحدهم قال لي أن مقدم برنامج سأل كهلاً: يبه شلون حياتكم قبل الآي فون؟ لما استغربت.

أناس لم يبخلوا بجهدهم واجتهادهم في سبيل كل شيء. لم يقصروا إلا في حق أنفسهم، ضيعوا أوقاتاً عائلية، وفرصاً استثمارية. من أجل ماذا؟ من أجل العمل، وهاهو العمل يستعيض عنهم، ليبقيهم وراء ذاك اللوح الشفاف حيث يشاهدون في صمت. لأنهم تعبوا من النصح والكلام، لأن المرارة ذهبت وبقي مكانها الأسف والأسى لما يرونه يتكرر تارة تلو الأخرى. 

أرجوك خذ نفساً عميقاً… أغمض عينيك، ثم افتحهما مرة أخرى واسأل نفسك:

 من كثرنا؟ اصبر.. حاول مرةً أخرى. 

من كثرنا؟ رددها وأعد المحاولة.

 لن يزيد تعدادنا مهما أعدت الكرة، وإن زاد فليس بالشكل الذي تولد به الخبرات والدروس المستفادة من الأخطاء خلال عقود بين ليلةٍ وضحاها. 

من يخسر؟ عندما يكون بيننا من بني جلدتنا من هو حريص علينا وحريص على بلده لكننا نأتي بمن هو أقل منه علماً وأقل حرصاً فنعطيه الفرصة ليبني، ويساهم، ويعمّر طوال العام. وهؤلاء ليس لهم سوى يوم واحد يظهرون فيه حبهم للوطن؟ لم لا يستعان بهؤلاء الذين بلغوا هذه المرتبة من الخبرة في شتى المجالات التي لا تتطلب حضورهم اليومي؟ في مجالس الإدارات؟ في اللجان؟ في رفع التوصيات، في دراسة المقترحات؟ هم ليسوا مجرد تحف للعرض، هم بشر لهم طموح في هذا العمر، ورغبة في العطاء، فلم لا يتسع لهم الوطن في جانبٍ  ما؟ هل أبلغ من السذاجة بأن أجزم أن جميع من ناهز الخمسين ثروة للبلد؟ لا، تماماً كما لا يبلغ بي سوء الظن والعجب بالنفس بأن أحقر كل فعل قاموا به، وأسفه كل رأي صدر عنهم فأرى بأن الله فتح علي باب الحكمة وأوصده دونهم، ففهمت ما لم يفهموه وعقلت ما اشكل عليهم.

يوماً سأكون أنا وأنت – إن مد الله في عمرنا -من هؤلاء. فلو كانت الاستفادة من خبراتهم، والانصات لآرائهم لمجرد الأنانية حتى لا ينتهي بنا المطاف مركونين ومهملين فلنستفد منهم! 

الصمت والدجاج الوطني.

بدون مقدمة:

اذهب للخاتمة وفكاك!

بمقدمة:

أنصت إلى صوت الدجاجة حين تنقنق، إنها تقول: فكاك أي فكه منك!

والآن اذهب للنص.

====

اعشق الدجاج، فإن كان مسلوقا كان صحيا، وإن حُضر بالقلي كان زكيا، تبله كما شئت بالبقسماط، أو بالثوم والبهارات، والأعشاب والمكسرات. لو كان في فرن كان مشويا أو لُف بالخبز صار طبقا تركياً، وفي الدجاج ومخرجاته(البيض) من الفوائد ما لا تتسع له هذه التدوينة ولكن للأسف هضمت شعوب الخليج الدجاج حقه، وجحدت فضله فلست ترى من يولم ضيوفه على دجاج! لأن في الدعوة إلى الدجاج انتقاص لقدر الضيف وعار عظيم على المضيف،” منقود وعيب ” لا ضير بالسمك لمن يطلبه لأن اهل البحر يعتزون بكنوزه ولا ضير باللحم لأن اهل البادية يقيسون الكرم به. وحده الدجاج لا صاحب له، لأنه طير لكن جناحه للأكل لا للطيران، وله منقار ليلتقط الحب لا ليفتك بفريسة، هل شاهدت أحدهم يضع صورة لديك مثلا؟ في حين بقية العصافير والطيور الكاسرة توضع هنا وهناك وهم جميعاً أقل فائدة من دجاجة وادعة تضع لك البيض في صمت على مدار العام.

لكن هذا الحب وتلك المعزة لهذا الصنف خاصة الوطني منه، لا يمنعني من انتقاده لا بقصد الإساءة أو الانتقاص أو إبراز العيوب لكن بهدف القياس والمقارنة وإظهار سبل التطوير. الدجاج لا يكترث، وأصحاب المزارع يقبلون رغبة في الاستماع والتحسين والتطوير لكن هناك من يريد مصادرة رأيك، وتكميم فاهك، وصرفك عن قناعة بشعارات لمّاعة ، في حوار عقيم، ونقاش سقيم.

فيقول على سبيل المثال: “ياخي أنت تثير بلبلة وتظهر عيوب الدجاج للمناطق المجاورة، فتمدح دجاجهم وتعيب علينا دجاجنا الوطني!  سألتك بالله هل فعلا تحب الدجاج؟ استحلفك. هل الأمر هين عليك أن تقول: تعليب البيض في الدولة المجاورة أهون.” ثم تغرورق عينا السائل بالدموع، ليكمل: “أهين عليك أن تقول تعليب البيض في الدولة المجاورة أحسن من تعليب البيض عندنا؟”

يحدث كل هذا وأنا اضرب كفاً بكف، وأحوقل. انتظر الكلمات أن تقف، والصوت أن ينقطع والأنفاس أن تنكتم حتى أعرف أن أحاور هذا المندفع بحماس حتى إذا فعل، سألته: تأكل بيض “وطني” مسلوق؟

الوطني بفضل الله: ما شأن هذا بحوارنا؟

أود معرفة مدى واقعك باندفاعك وحماسك للدجاج الوطني.

الوطني بفضل الله: أنت تصطاد في الماء العكر.

لا، ذاك السمك الذي يعيش تحت سطح الماء، الدجاج يوجد فوق سطح الأرض!

ثم تبدأ عملية استبدال موضوع النقاش “الدجاج وكيفية تطوير هذا المنتج الوطني” لتصبح “هل تحب وطنك؟ هل أنت مواطن؟ هل هذا الانتقاد ينم عن حس وطني؟” هل تريد تحقيق مكاسب شخصية على حساب ملف حساس مثل الدجاج؟ وأنت لا تدري أن للدجاج ملفاً أصلاً!

ويتم بناء معسكرين أثناء أكلك للدجاج الوطني، والحوار مع شخص لم يذق الدجاج مرة واحدة في حياته، وإن فعل فهو دجاج مستورد! لتجد نفسك في معسكر “من ينتقد الوطن لأي سبب، ولا يعجبه العجب” كل هذا لأنك أردت أن تعبر عن رأيك بكل صدق وإخلاص، لكنها الوطنية المغلوطة المدفوعة بالحماس الثوري (وكلمة الثوري هنا ترجع لمصدر ثور-أجلكم الله-لا ثورة)

ويضيع عمرك في دفع شبهة لا أصل لها، ولإعراب خبر لا مبتدأ له. فقط لأنك أردت أن تقول: “بخصوص الدجاج الوطني.”

 

خاتمة  

إلى هؤلاء..

من ينظرون لأنفسهم على أنهم حماة الوطن، الغيورين عليه، الذين يأبون الحديث عن أي عيب، أو نقاش أي خلل، لأنهم يخشون على الوطن من مذمة هنا أو هناك. يعدون أنفسهم أبواق الوطن، وغيرهم نشاز، أو تغريد خارج السرب لا يتفق مع اللحن العام والوجهة المبتغاة. هم الذين فهموا الوطنية، وورثوا حب الوطن وغيرهم يتصنع ولا يعلم من الوطن وحبه سوى الطلاسم. هم من يستطيعون التعبير شعراً ونثراً عن الوطنية وأنت لا تحسن الحديث عن الوطن إلا عبر كلماتهم، ورأيك جزء من آرائهم. هم قطعوا شوطاً بعيداً في الوطن والوطنية وأنت لازلت عند أول خطوة. 

إلى هؤلاء..

الذين يعدون الوطنية معيناً ينضب فإن زادت عنده قلت عندك، وهي تقتسم وتنفد وعليه فهم من تضلع بها، وأنت من لم ينله منها سوى رشفة، لأن الوطني نفسهم لا ينتقد شيئاً. الذين يدفعون الجميع للصمت، لأنهم لا يودون سماع أحد، لا أنا ولا أنت ولا حتى الدجاج! هم يريدون سماع أصواتهم فقط وهذا قول فرعون لقومه:

مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ.

 

إلى هؤلاء..

 

أقول: فكاك

أنا منمن. بابا معايا.

لابنتي منيرة التي تبلغ الثلاث أعوام اليوم عذوبة في سبك الكلام إذ أنها ما أن تحاول البوح عما يختلج في نفسها حتى تأتي بالفعل، فتلحقه بصفة أو حال، ثم تتبع ذاك كله اسمها – الفاعل-وتكني نفسها ب “منمن”

فعلى سبيل المثال تقول:

“تاحت حرام.. منمن”

أي أن شيئاً وقع والخطب جلل لقولها “حرام” وفعل “تاحت: أي وقعت” أما صاحب المصيبة فمنمن نفسها!

لكنه موقف تكرره، وعبارة تستثني منها كل القواعد التي ذكرتها فرأيت أن أدونها لما لها من وقع في نفسي. ذاك أنها أحياناً إن رأتني أهم بالخروج تلبس نعالها على عجل -أجلكم الله – فتسبقني إلى الباب لتقول:

“أنا منمن. بابا معايا.

وقد أكون ذاهباً للمسجد أو العمل، فأجثو على ركبتيّ واعتذر لها، اعلل بكل حجة، أوعدها بكل هدية وأشرح لها أني سأعود بعد برهة فتغرورق عيناها بالدموع، وتأخذ بتلابيبي قائلة: “أنا.. أنا..” تعيدها على بصوت تقطعه أنفاسها وكأنها تقول لي أنها أهم، وأنه لا يحق لي بالذهاب دونها فإما منمن أو لا أحد! حتى إذا يئست، جهشت بالبكاء، وذهبت لترتمي في حضن أمها وهي لا تدري لم يهجرها والدها بضع دقائق ذاهباً للمسجد؟ أو بضع ساعات قاصداً العمل؟ أو في بعض الأحيان بضع أيام في بعض أسفاره؟ تشتكي، يترامى إلي صوتها من بعيد، من خلف الباب الذي يفرّق بيننا: با با.. ما يحبج منمن.  

 ابتسم، بالرغم من ذاك الوخز الذي أجده في نفسي ولا أدري ما مصدره؟

وهذا هو الرد يا غاليتي من والدك الذي يحبك:  

أي بنية وهل ذهب والدك إلى المسجد فرُفعت يداه لدعاء، إلا كنت أول من يدعو له؟ وهل يفضل والدك الذهاب للعمل على الجلوس معك والاستماع لك، إلا وكان همه أن يكفيك هم المال؟ أصدقك قولاً الجلوس إليك امتع، وكلامك أفصح، وأنت أوفر عقلاً من كثير من الكبار الذين أقابلهم! لأنك تريدين بالكلام أن تظهرين ما بداخلك، وهم –لعمري-يريدون بالكلام أن يخفوا ما بنفوسهم.

بنيتي. قد تتمكنين من قراءة هذه الأسطر بعد حين وقبل أن أريد منك أن تمري بهذه السطور، لكنك لن تفهمين مقدار ما يحمله والدك لك حتى ترزقين بالذرية الصالحة. أي بنية قد يكتب الشاعر ما يجد في خافقه، حتى إذا نطق بشعره بقي الكثير في نفسه فسمي هذا وجداً، وقد تبكي المرأة من فقدت فما بقي ولم يجري به الدمع كان فقداً. وما بقي في صدر والدك أضعاف ذاك كله.

دائماً وأبدا أنت.

ودائماً “بابا معايا” وإن بعدت المسافات، وطالت الساعات.  وإن جاء يوم فطويت الصفحات فاعلمي، أنه ما فارق والد هذه الدنيا إلا بقي من بعده دعاء يحفظه الليل في جوفه، ورجاء يردده الفضاء من بعده: اللهم اجعل قرة عيني من اهل السعادة، واحفظهم من كل شر، واجمعني بهم في جنة الفردوس الأعلى. 

المحب لك دوماً،

بابا. 

لنا الفناء ولك البقاء.

مقدمة:

العنابي يرمز إلى الدم الذي أريق أو الدم المتخثر، ويذكر أن قطر قدمت دماء كثيرة في حروبها التي خاضتها لا سيما في النصف الأخير من القرن التاسع عشر.

==

هذا الدم يجري في جسدك يا وطني، 

على ترابك سُكب، ومن أجلك بُذل حتى تخثر فاصطبغ به علمك. 

ومن لم يبذل دمه، صار من ترابك. 

ومن مشى على ظهرك لبى النداء، 

 “كلنا يا قطر فداك.” 

تُرخص الأرواح دفاعاً عنك، 

يا وطني هذا البيع فهل تشتري؟ لنا الفناء ولك البقاء.  

 لنا سكب الدم، وطحن العظم، ولك المجد والهناء.

تذكر كل ما خفق علمك يا وطني: لم يكن الدم ذات يوم ماء، 

وما كان الغريب ليفديك يوماً بالدماء.    

من يفديك بدمه،

مواطن

قهر المستحيل

استمع للمذياع، بحثاً عن شيء يدخل السرور فأجد الست – أم كلثوم -تصدح:

“ده كلام..؟ أنساك..! يا سلام..! أهو ده اللى (مش ممكن) أبداً. ولا أفكر فيه أبداً. ده (مستحيل) قلبي يميل ويحب يوم غيرك أبدأ.”

يتسرب الملل إلي فأبحث في تويتر عما يلهيني عن الزحمة الخانقة، فامعن النظر في تغريدة لمغرد محشش متحمس: 

في البداية يتجاهلونك،

ثم يضحكون منك،

ثم يقاتلونك،

ثم يشربونك شاي كرك،

ثم تنتصر!

المهاتما غاندي

أغلق باب بيتي، فاجلس بين كتبي، ثم استعيذ بالله من الشيطان، افتح كتاباً لرجل مفهي، أجريت تعديلات فوتوشوب على وجهه. -أي فوتوشوب؟ إلا فوتو مول! – لأقرأ:

“قالوا مستحيل. لكن حققنا المستحيل، أصلاً إحنا نعيش مرحلة ما بعد الحشيش (قصدي المستحيل)”

سؤال يراودني: هل بقيت وحدي من يؤمن بالمستحيل ويقيم له قدره؟

ظهرت في الآونة الأخيرة موجة عارمة تطرب للإصرار والعزيمة، تحب قهر المستحيل بل ويلتبس عليها الأمر فإن رأت مريضاً -شافاه الله – طربت لقهر هذا المريض للمستحيل بالعزيمة والاصرار، وإن مرت بفقير معدم رزقه الله قالت قصة تاجر المستحيل من فقر مدقع إلى ثراء فاحش بالمثابرة والتكرار. هناك هوس مسعور بتحميل الإنسان مهمة جديدة وهي صناعة المستحيل! لكن، أكل ما نعجز عنه مستحيل؟ هناك من المتفيهقين من سيقول: نعم! لقد كان من المستحيل أن تخاطب أحدهم في أصقاع الأرض، واليوم تستطيع أن تكلم من شئت في أرجاء المعمورة لحظياً، أو تسافر لتجتمع به في أقل من يوم أينما كان، وما تأتّى هذا لخليفة المسلمين هارون الرشيد وقد طاعت له الأرض!

 

والجواب: أن علم المنطق يحتوي على فرق شاسع بين المستحيل، وغير الممكن. فالمستحيل ما يستحيل حدوثه عند العقل، وهو المستحيل بذاته، لا يتغير بفعل الوقت.  كأن نقول بأن معدن الذهب يذوب في ماء عادي، أو ألا يموت أحدهم مهما امتد به العمر، أو أن تنهي هيئة أشغال[1] من شارعٍ ما في وقته، إلخ…من مشاريع أشغال. أما غير الممكن، فليس مستحيلاً مهما كانت درجة صعوبته، وذاكم هو المستحيل بما يحيط به من وقائع. كشفاء المريض بعد يأس، وثراء الفقير بعد بأس، أو تعدد وسائل التواصل بين الضغط واللمس .

بل إني لأعجب من هؤلاء الذين يصرون على قهر المستحيل، والسعي وراء هذا المستحيل لا يعدو عن السعي وراء السراب. كيف استعصى عليهم ما عقِلَه كفار قريش والكثير ممن قبلهم على قلة معرفتهم، وبساطة ما وصل إليه علمهم كنقل القرآن عنهم:

{وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا}

فهؤلاء الكفار البسطاء أرادوا المعجزات دوماً، لأنها خرق للعادة أي قهر للمستحيل بصنفيه كما في الآية واعتذار الرسول -صلى الله عليه وسلم-بأنه بشر، ليس له أن يختار على ربه[2]. فتحقيق المستحيل وقهره هي صفة الخالق لا من عادات المخلوق، وعليه لا أدري هل يعلم مقدار ما ينشد هؤلاء

همسة لمن اختلط عليه فظن أنه قهر المستحيل:

المستحيل حقيقة علمية، لها فرضياتها وشواهدها والتعامل معها لغويا من منطلق شعري لا يلغيها.

و ولله لو كنت متخذاً مما قال الشعراء بيتاً في المستحيل لكان:

لما رأيت بني الزمان وما بهم ***** خل وفي للشدائد اصطفي

أيقنت أن المستحيل ثلاثةٌ ***** الغول والعنقاء والخل الوفي

 رجل المستحيل،

 

رائد


[1] أشغال: الله وكيلك كابوس قطري يهدد الإنسان. يأكل الإسفلت، يعيث في الأرض فساداً ولا يرقب في أي شخص يذهب للدوام إلاً ولا ذمة

[2]  “قل سبحان ربي” وقرأ أهل مكة والشام “قال سبحان ربي” يعني النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي قال ذلك تنزيها لله عز وجل عن أن يعجز عن شيء وعن أن يعترض عليه في فعل. وقيل: هذا كله تعجب عن فرط كفرهم واقتراحاتهم. الباقون “قل” على الأمر؛ أي قل لهم يا محمد “هل كنت” أي ما أنا “إلا بشرا رسولا” اتبع ما يوحى إلي من ربي، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر، فهل سمعتم أحدا من البشر أتى بهذه الآيات وقال بعض الملحدين: ليس هذا جوابا مقنعا، وغلطوا؛ لأنه أجابهم فقال: إنما أنا بشر لا أقدر على شيء مما سألتموني، وليس لي أن أتخير على ربي، ولم تكن الرسل قبلي يأتون أممهم بكل ما يريدونه ويبغونه، وسبيلي سبيلهم، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالة على صحة نبوتهم، فإذا أقاموا عليهم الحجة لم يجب لقومهم أن يقترحوا غيرها، ولو وجب على الله أن يأتيهم بكل ما يقترحونه من الآيات لوجب عليه أن يأتيهم بمن يختارونه من الرسل، ولوجب لكل إنسان أن يقول: لا أومن حتى أوتى بآية خلاف ما طلب غيري. وهذا يؤول إلى أن يكون التدبير إلى الناس. وإنما التدبير إلى الله تعالى.
تفسير القرطبي

الخليجي ذو التمر واللبن، والفلاحة.

إهداء: إليك أينما كنت.آسف.

اعتراف: يتطلب الأمر بعضا من الشجاعة لكي تعترف بخطأ ما في العالم العربي، ويتطلب الأمر تهوراً لكي تكتب ذاك الاعتراف. لكني أفعل لعدة أسباب بعضها سهل وظاهر للعين، والبعض أبقي عليه لغاية في نفس يعقوب.

==

حدث قبل أعوام في مكة وفي رمضان، وقبيل أذان المغرب، نزلت إلى ساحة المسجد الحرام. نظيف الثوب، حليق الرأس، تفوح مني رائحة الطيب -واللي يعلق إن شاء الله تبقى معفن طول عمرك –وقد خلّفت أقواما خلفي يقطنون أجنحة فندقية تطل على الكعبة المشرفة، وأنا أضحك من بعضهم قائلاً: “يجوز رؤية الكعبة المشرفة بعد أداء العمرة!” وهو ما أصبح أمراً جلياً مؤخراً لمن ينزل في الأبراج العالية، فالمصلى يطل على الكعبة، وهو أنظف، وأعطر، وأبرد، وأجمل، وفيه أيضاً من اللطف أنك توسع على إخوانك المسلمين وهذا كله مدعاة للخشوع وعليه فالصلاة في الفندق لها أجر يكاد يحاكي أجر من صلى في صحن الكعبة، لأن مكة كلها حرم! 

يسروا ولا تعسروا… بشروا ولا تنفروا. لكن نهجي دائماً كان أن أخالط الناس، لذا آثرت النزول والتعسير على نفسي! 

ما يلفت النظر هو أنك لا تكون أبداً جزءً من بداية العرض في مكة، أنت مجرد دور في مرحلة ما. أما عن لحظة البدء، فهي مذ هبط أبونا آدم، ثم بناء البيت على يد أبينا إبراهيم وابنه إسماعيل – عليهم أفضل الصلوات وأتم التسليم – فالكل هنا في حركة منذ لحظة البدء. إما معتمر يقبل على بيت الله، أو أحدهم ترى في وجهه السعادة لأنه أتم العمرة أو أنهم أناس مشغولون بيومهم، كالباعة، والمتسولين، والعسكر، وعمال النظافة وأنت في كل هذا ينبغي أن تكون جزء من هذا العرض السرمدي.

أخذ الناس بالتوافد إلى الحرم، السُفر تمد، قوارير الماء تُصف، التمر يُوضع، والناس تأخذ أماكنها خشية أن يسبقها أحد إلى ما تم وضعه وصفّه. البعض مستلقي على ظهره، وأقوام يقرؤون كتاب الله، والنساء تزيد على هذا العناية بالأطفال.

الروائح تختلط ببعضها البعض كغيرها من الأشياء في مكة بعضها ذكي أخاذ وآخر نفّاذ تكاد تتقيأ من شمك إياه. تستطيع الوقوف في نقطة واحدة لتمر بك آلاف الصفات من كل شيء دفعة ثم تأتي من بعدها أضدادها في فوج آخر كأن يمر بك الشاب، والغني، والضحوك ثم يأتي من بعدها الشيخ الكسيح والفقير والعبوس، أو تأتي كل صفة بصحبة ضدها، كأن يمشي الغني ذو الجاه بجانب الفقير المعدم، ولا هم لهما سوى الوصول إلى مكان يرتضيه كل منها. 

وفي خضم هذا كله أصوات وألسنة تصل إلى أذني مختلطة مجتمعة أحيانا ومفردة، بعضها يُهمس وآخر يُصرخ. أردت اختبار سرعة تعرفي عليها: نظرت للأسفل، تركت لأذناي التعرف على المحيط من حولي تعرفت على التركية أمامي، والهندية عن يميني، والعربية في لكنتها المغربية في نفس الاتجاه، الروسية من خلفي، والصينية من بعيد، الفارسية جاءت بعبارة أو عبارتين، الانجليزية كانت تأتي همساً ثم تعاود الاختفاء، وبعض من الألسنة جهلته لا أدري أكانت الفرنسية أم الإيطالية؟ ولسان أفريقي هل كان سواحيليا؟ لا أدري..رفعت عيناي أردت الاحتفاظ بهذا كله لنفسي، أردت حفظه بعيني وأن استودعه قلبي، لا من خلال عدسة ثم إلى موقعٍ ما.

أما العمال، فكل عامل له لون ووظيفة محددة، من يلبس الأزرق يهم بالنظافة، من يلبس الأخضر عليه بأن يوزع الطعام، ومن يلبس البني يمشي وخلفه أناس يعاينون ما ينبغي إصلاحه. وهناك من ليس من ضمن العمال، يلبس الزي الزيتي ويصرخ: “حج يا حاج، حج يا حاج!” كل الألوان تنظر للون الزيتي بنوع من العجب، والخوف في آن واحد. 

وإذ بفتية يقبلون علي، وجوههم مرهقة سواعدهم قد شمِّر عنها، وابتسامتهم مشرقة:

“سبّل سبّل تبغى تنقي..” 

“سبّل يا حاج عصير، لبن، تمر سمبوسة و..” 

كان أحد الشباب يسرد علي ما تحتوي وجبة الطعام التي يعرض توزيعها كابرع ما أنت راء من نادل في أرقى المطاعم.

وسبّل تعني: اعط في سبيل الله، أو لابن السبيل. راقت لي الفكرة، وكانت آنذاك حديثة عهد. 

“هاك أمسك الوجبة دوبها متعبيه! ” مد إلي صندوق ساخن، تفوح منه رائحة زكية.

“بس بس يخرب بيتك بفطر الحين، قصدي جزاك الله خير.. طيب كم صندوق عندك؟”

“تبغى تسبل مكة بس؟ ولا المدينة كمان!؟” رد وهو يضحك.

“توكل على الله.” رددت وأنا معجب لسرعة بديهته.

اتفقت وإياه على الكمية، وعيون كثيرة ترصد شيئاً واحداً انتقال أي لفافة ورقية من يدي إلى يده، وما أن فعلت حتى تلاطمت جموع بشرية، كلها فاغرة أفواهها وتمد أياديها نحو مجموعة قامت بالتوزيع،  الصناديق تتطاير في الهواء ثم تتلقفها الأيدي “هنا، جيب..عطني، هات وكلمات أخرى تطير في الناحية الأخرى بدأت تسأل في استحياء ثم صارت تنادي وتطالب، كأن هناك غضباً ينام تحت هذا الكلمات لأنهم يرون رجلاً يريد أن يعطي، وفي خيالهم أن لديه مفاتح خزائن قارون، وكل من يقف بينهم وبين هذه الكنوز شاب وصحبه يلقون بعضاً من الصناديق.

أشير بيدي فأسقي أقواما وأشير بالأخرى فأطعم أقواما آخرين، كل هذا والكعبة على بعد بضعة مئات من الأمتار، وأبراج مكة تظلني. نعم.. أنعم الله علي، فنشرت نعمه بين خلقه في بيته الحرام، خليجي مثالي، يقاسم بقية المسلمين تمره ولبنه. لكن الضجة تعالت والزحام ازداد، وإذ بمسلم أفريقي ضخم يكاد يفتك بصبي لأنه سبقه لأكثر من وجبة. بل وفي يد الرجل وجبات عدة! فلما سألت ما هو فاعل بهذا كله؟ قيل لي أنه سيبيعها بثمن أقل من ثمن التسبيل حتى ينتفع بهذا المال.

ذهلت، في رمضان وفي بيت الله الحرام. ما مدى فقر هذا الرجل؟ وما مدى جوعه؟ كم عدد فقراء المسلمين؟ ولم انتظرنا حتى نصل لهذه المرحلة؟ حين يكاد يقتل الرجل صبياً لأجل دراهم معدودة؟

هل أثرت الفوضى دونما قصد؟ أردت التنظيم فجعلت أشير على من يحمل الصناديق بأن يرمي بعضها ذات اليمين وذات الشمال بدلاً من رميها نحو جمهورٍ بعينه. ثم أشرت عليهم ألا يعطوا من رأوا في يده شيئاً مما أعطوا.

وإذ بها تظهر من بين الجموع حاملةً صندوقاً في يدها وتمشي نحوي بكل سكينة ووقار، هي تعرج بشمالها، سيدة في الأربعين أو الخمسين من عمرها، تتشح السواد وتلبس عباءة سوداء أيضاً، هزيلة تنظر إلي حتى إذا صارت أمامي قالت بلكنة الفلاحين من مصر: يا ابني، لو سمحت هل لي بوجبتين أخرتين؟

صرخ الشاب في وجهها: يا حجة، الله ييسر لك.

لم تنظر إليه لكنها أمعنت النظر إلي: “يا ابني اسمع، أنا بحاجة لوجبتين. لو سمحت قل للشاب هذا أن يعطيني.”

ما كنت فاعل؟ لو أعطيتها لقام كل من أعطيت فطالب بوجبة ثانية وثالثة. ألم يوضع النظام لمنع هذا؟

قلت لها: اعذريني. لكن من أراد فليأت بنفسه.

ردت: لا يستطيعون يا سيدي.

ثم لم أعرها اهتماماً حتى قامت بما لم اظن أنها ستفعله، ألقت الوجبة من يدها، فالتقفتها أحدهم قبل أن تصل إلى الأرض، وهي تحدجني ببصرها ثم قالت:

“أني مش شحاتة يا ابني.بس أقول إيه؟ ربنا ما يحوجك يا وَلَدِي”

وانسلت من بين الجمع بعرجتها. أردت أن اتبعها لأعطيها ما أرادت وكأني استيقظت من وهم النظام الذي وضعته فأنساني ما أردت فعله.

فجأة بدت الكعبة بعيدة،

فجأة لم أعد أنا الذي يعطي بل الذي يطمح أن يُعطى، لكن هذا الموج البشري الذي تسببت به حال بيني وبينها.

وفجأة أذن المؤذن، فلم أرها بعد ذلك أبداً.

خاتمة:

 اليوم وبعد أعوام، لا زلت أسمع هذه العبارة ترن في أذني ” ربنا ما يحوجك يا وَلَدِي” اليوم أصبحت الصدقة عندي أكبر من المال نفسه، صرت أتبسم في وجه من أريد دفع الصدقة إليه، وأكون متردداً خشية ألا أجرح فيه ما هو أغلى عليه من النقود، فأحييه حتى إذا رأيت منه الانشراح دفعت إليه ما قسمه الله له وجعلني سبباً فيه، ثم أشيعه واعتذر له عن التقصير وأن الجود بالموجود. أرجو  ألا أنسى هذا ما حييت بسبب نظام ما. 

سيف الله (الإنسان)..الهندي الأجودي

إهداء: إلى مسلمي كيريلا، أرق المسلمين قلوباً.. 

تمهيد: ينبغي لك أن تكون دائم التأهب إن كنت فرداً في فرقة الصاعقة، ضفدع بشري، أو ببساطة أب.. أنت لا تدري متى ينبغي عليك أن تهرع للمستشفى لأن فلذة كبدك حمّ فجأةً، أو لأن الغيارات “الحفاظات” انتهت  – أجلكم الله- دون أن يكون هناك غيرها أو ببساطة لأن طفلك يريد منك أن تستيقظ ريثما ينام، وتنظر إليه بعين حمراء كأنك  زومبي.. فجأة أيضا! 

لكن كانت ليلة من ليالي  الفزع من النوم لأن  “الحفاظات” خلصت فجأة، نعم أيها القرآء. أبت الحياة إلا أن أجرب مكس الاستيقاظ من أجل الحفاظ- أجلكم الله – مع الفزع بدون مايونيز فخرجت لا ألوي على شيء وقد رفعت  عيني للسماء قائلاً : يا رب..لا تكن نهايتي هكذا “مصرع مواطن سقط في حفرة من حفر أشغال  ليجلب الحفاظ…” يعني موتة مضحكة وهي وإن كانت لتلخص حياتي بطابع الفكاههة إلا أني أود أن يكون آخر عهدي  بالدنيا على غير حال. (اللهم الميتة الحسنة..قولوا آمين) امتطيت السيارة، ثم لا زالت بي حتى وصلت إلى أرض الأغذية -وأرض الأغذية ليست استعارة مكنية، بل اسم السوبر ماركت- فأنخت سيارتي، وحططت رحالي. 

دخلت، حياني هناك  كهل من كيريلا، سيف الله، نحيل لا تفارق البسمة محياه لزبائنه ولا يفارق الصراخ لموظفيه. أرض الأغذية أكبر من السوبرماركت حقيقة، إذ تبيعك أمور تقنية وتكنولوجية مثل اكسسوارات الآي فون، والسامسونغ، لكنها أصغر من أن تضم لنادي الجمعيات. تنتشر فيها المرايات وكاميرات المراقبة، والتي يستخدمها سيف الله لمراقبة موظفيه والصراخ عليهم من بعيد مثلا كقوله ” أشوفك يا اللي هناك.. رتب الأناناس يا أبو الكلام، شوف الزبون يا محمد داوود.. وهلم جرا – طبعاً بالملباري”

تحفاني إذ أقبلت عليه يجر بعضي بعضه معه: ها كيف حالك إنتا؟ كيف إنتا زين؟

الحمدلله..أجبت بتثاؤب. أمشي دون أن ادفع عربة أو أحمل سلة في يدي، وأنا أسمع صراخ سيف الله لأحد الموظفين بأن يمشي خلفي، لأني في أغلب الأحيان أندم على عدم وجود ما يمكنني من شراء بضائع أكثر، ففهم سيف الله وجعل العمال دائماً يضعون العربات في الممر الذي أقصده وكأن الأمر صدفة.

تصر والدتي أن الرقم (3) له ارتباط عميق بي، فقد ولدت في الثالث من شهر مارس في الساعة الثالثة عصراً، لكن هذا الرقم لم يكن له أي علاقة بي في تلك الليلة الدهماء، إذ رأيت 14 بني آدم ينزلون من باص كأنهم فريق مكافحة مخدرات، يلبسون ثياباً موحدة تتبعهم جلبة وصراخ، علمت أنهم موظفو مطعم فيما بعد وقد جاؤا بعد يوم شاق ليشتروا أشياء بسيطة تلزمهم.

اشتريت كل شيء على عجل، لسوء حظي وجدت نفسي الثامن في هذا الطابور طويل، حتى إذا فرغت وأقبلت على سيف الله أخذ يبتسم في كل فرح لأني اشتري حليب، وحفاظ يعني أن الفاتورة لن تقل عن المئة ريال بأي حال من الأحوال، هذا بجانب الماء وأكثر من غرض. ثم رأيت الحساب ٢٥٧ ريال قطري.

بدأت بالدعاء عليه وعلى حرثه بالهلاك… وهو لا يزيد أن يقول: “أنتا في فلوس.. حكومة يعطي فلوس..شيخ كبير جيب فلوس.” 

ناولته البطاقة الائتمانية، ثم أنه أخذ يجري المعاملة، وبقية من في الطابور يبدي امتعاضاً واضحاً. وإذ به يتلعثم ويقول في صوت منخفض: شيخ.. كرت.. ما يجي. 

قلت: حاول مرة أخرى!

حاول، وهو يلوم خطوط الاتصال. ثم هز رأسه جانباً في أساً فقال: شيخ ما يجي.. 

سمعت همهمات من خلفي ..فقلت له: دع الأغراض عندك، ريثما استعلم من البنك. 

مع خدمة العملاء:  عالم التفهي. وفيه ملحمة عبد الله وطني.. 

اتصلت وبعد سماع الموسيقى تعاد للمرة الثالثة، أخذني التفكير:”هل كل العالم في هذه اللحظة يشترون حفاظات وجميعهم يتصلون بالبنك لنفس السبب؟ لهذا لا يرد أحدهم على المكالمة؟ تباً لفكرة البنوك، أملك المال، لكني لا استطيع الانتفاع به! أيحال بيني وبين مالي في الدنيا؟ أقبر في الدنيا قبل قبر البرزخ؟ اللهم لا حيلة لي إلا بك، يا رب نظرة منك تجعل الكافر ولياً، يا رب نظرة منك تجعل الفقير غنيا.. يا رب نظرة منك..

صوت تثاوب في الجانب الآخر من المكالمة.. آآآآه لو أهلا، معاك شكرا عبدالله الوطني..  

أنا: أعد ترتيب الجملة يا عبدالله! 

أخوي، شلون أساعدك؟ 

السيستم Downعندكم حجي؟ لأن البطاقة ما اشتغلت.. 

لا٫ عادي.. ما في أي شي.  

هنا، اللحظات تمضي ببطء مثل السنوات، يتوقف الوقت ويتصبب العرق ويفيض الدمع ويتراعد الصوت ووجدت نفسي أقول : لا لحظة  ليش؟ إحنا أول الشهر.. المعاش ما مداه..لا دي مؤامرة. لكن تماسكت وتجلدت، حشرجت صوتي، ثم أخذت أحدث نفسي: عبدالله وطني مفهي وما يدري وين الله قاطه،

ثم بادرني عبد الله وطني: ألو؟

عبد الله ممكن تتأكد…؟ 

أوه.. صح أخوي. ما شاء الله عليك! طلع Down..

تنفست الصعداء. طيب متى يرجع UP؟

عبد الله وطني: والله…. ما أدري، يمكن  نص ساعة أو يمكن بعد أربع ساعات! 

لا، عبد الله..ركز معاي يا عبد الله وطني ما يصير ياخي نص ساعة أو أربع ساعات؟ مافي خصم؟

عبدالله وطني: شكراً على الاتصال أي  ثانية خدمة وطني عبد الله معاك الله في أمان..

عبد الله

عبد الله وطني: هلا.. 

روح نام..

عبد الله وطني: شكراً أخوي. في أمان الله.

البحث الكبير: وفيه يبحث البطل – أنا – عن كل ورقة نقدية وفي كل فتحة عن أي ريال فارط!.

فتحت كل الأبواب وجميع النوافذ، بل أني فتحت فتحة السقف طمعاً أن تمطر السماء ذهباً وفضة! كل هذا يتم على مرأى من سيف الله الذي كان يقوم بعملية البيع والشراء لبقية موظفي المطعم، عثرت على مئة وبضع ريالات. كانت كل ما أملك لحظتها بجانب ما ألبس وما أركب. عددت المبلغ مرة أخرى فإذ به يتناقص لبضع وتسعين ريالاً، خفت أن أعيد المبلغ فيصبح شيئاً وثمانين. واقنعت نفسي بأن البحث يجدي نفعاً – في حين أن نفسي لم تقتنع حقيقة لكن أخذتني على قد عقلي – خلطت بين الأمل، والطمع ولعمري كم أضاع أقوام أعمارهم خلطاً بين الاثنين.

ثم عدت أدراجي أمشي منهزماً نحو أرض الأغذية التي فرغت إلا من سيف الله وجماعته. انكسرت هيبتي الآن، لكن علي أن أفعل شيئاً حيال الحليب والحفاظ! قد يقول أحدكم: اتصل في أحد.. والرد: أكنت تعطي عنقك ليربط أحدهم معروفاً بها بحليبٍ وحفاظ؟ ياخي خلي عندك كرامة ياخي! وبعدين يمن أيهم علي وعلى مشعل (ترى أنقذتك وشريت لك حفاظ؟) أو أن أرجع البيت ويدي فارغة؟ فذاكم تمام الخذلان!

ابتسم سيف الله محرجاً: ها شيخ. كلام بنك؟

في هذه الأثناء، أخذ بقية الموظفين بالتظاهر بالعمل أو تنظيف الأرفف قريباً من الكاشير، حيث أنا وسيف الله.

قلت وأنا لا انظر إليه: ها.. إيه.

كنت أنظر إلى الأكياس، سألته: أيها يحوي الحليب والحفاظ؟

استغرب، لكنه أعطاني إياه. فقلت: خلاص..خلاص بس يبي هذا.

سكت لبرهة، فقال: إنتا ياخذ بعدين يجيب فلوس.

هانت علي نفسي! قلت له: يا سيف الله، قبح الله الدين..ذل بالنهار وهمٌ بالليل، ما كنت لآخذ شيئاً بدين. خلاص..

ثم حدث شيء غريب، أغمض عينه وقبض على معصمي.. ثم فتح عينيه وقد اغرورقتا دموعاً وهو ينظر إلي قائلاً: شيييخ.. شيخ..لا شيخ.. أنا معلوم أنتا من زمان! أنتا أشغال – أشغال:هيئة الطرق – كسر كلش شارع، لكن إنتا يجي هني. بليز شيخ، أنتا ياخذ.. ما في فلوس ما في مشكل، لكن أنتا كلش سمان لازم ياخذ باتشا مال إنتا – أي ابنتك- يبي هذا (وأشار إلى قطعة حلوى اشتريتها لمنيرة) وبقية الموظفين دموعهم تدور في أعينهم..أنتا في قبل صورة* داخل جريدة لكن هذا دنيا سبحان الله..الله كريم شيخ الله كريم.   

وأنا: لا! لا..لحظة والله العظيم محد فنشني! عندي فلوس بس البنك .. عبدالله وطني توني مكلمه وقال: بعد أربع ساعات بيصير عندي فلوس… قسما بالله نكمل شارع سلوى في مبنى كبير أنا مديره، صدقني.

ثم صرخ بموظفينه ليحملوا الأغراض جميعها إلى السيارة: محمد داوود، أبو الكلام..

وركض الاثنان فرحان، فخوران بمديرهما ذو القلب الرقيق وإن كان لا يحب أن يرى بهذه الصورة.   

لكني امتنعت عن هذا كله، وأقسمت له أن آتيه في الغد وآخذ الأغراض حينها مقابل النقود. على أن آخذ ما استطيع دفعه الآن فنزل عند رغبتي. ورجعت إليه في الليلة المقبلة فاشتريت ما احتاج إليه وما لا احتاج إليه لأثبت له إني لا زلت “مدير كبير!”        

خاتمة:

سيف الله لم يقرأ أو يطالع في الكتب، لم يحلل أو يطرح ندوات. لم يحضر دورات في القيادة، وقراءة لغة الجسد والبرمجة الذهنية. سيف الله أبسط من هذا كله، لم ينتظر من أحد أن يقول : هذا شأن داخلي، أو محلي، أو عفواً لم يتكلم أحد عن كيريلا. لم ينتظر تفويضاً، أو فتوى، أو ضوءً أخضر ليعبر عن إنسانيته بكل استطاعته.

أتمنى أن نتسم جميعاً بهذه الشجاعة التي تمكننا من أن نمارس إنسانيتنا دون أن ندع أحداً يلجمها، أو يحبسها أو أن يبني بينها وبين من يحتاج لها ألف حائط.

رائد

المدير الكبير

*الصورة التي يشير إليها سيف الله كانت بالقرب من أحد أعيان البلد، وظل يحتفظ هو بها لأنه يفتخر بأن زبائنه شخصيات تظهر في الجرائد الرسمية. 

أنت لها، وهي لك

أهلا بك، ومرحبا! انتظرتك مذ زمن. وانتظرتك الدنيا فأنت لها وهي لك. سلبت اسم أختك مني، فصار الناس يكنوني باسمك، وستحمل اسمي واسم والدي فهي مقايضة، فلا عليك. لم يأذن لي الله بالعمرة في رمضان من عام ولادتك إذ ولدت في العشر الأواخر وعند أذان العصر. فقلت لوالدتك متندرا: أنبئيه أن يؤديها عن والده إذا رحل، فقد جلست انتظره فأبطأ.

بني.. مشعل، سميتك هكذا لتنير دربك ودرب من حولك. نفع الله بك، وبلغني فيك.ولدت ووالدك في الرابع والثلاثين من عمره، غير قانع بما حقق، همه بأن يوفر لكم ما تحتاجونه وبعضا مما تريدونه. لك مني العلم، والأدب وحياة خير من حياة والدك، وبداية أقرب للنجاح مما كُنت عليه. حظ أختك منيرة مني الدلال، فهي تبعث الطفل بداخلي وأنت تبعث الشيخ الذي يلتمس عكازه فتكون له تلك العصا يعتمد عليها. أحملك اليوم بين يدي واهمس في أذنك، يا مشعل تذكر بأني حملتك حين عجزت عظامك عن حمل نفسك، فلا تنس والدك إن خانته عظامه. انظر إليك وامنع النفس والجمها من أن ترى امتدادا لعمري في صورتك، لأنك حياة قائمة بنفسها، لا علاقة لها بما قبل إلا بمقدار التمهيد. لن أفرض عليك دربا، وعليك باختيار طريقك بنفسك.

خالط الكتب وانهل منها كما ينهل الظمآن في جوف الصحراء، وانظر في الناس بقدر حاجة الصحراء للماء. واعلم أن الله غفور رحيم، وجواد كريم، قد عامل والدك بالفضل طيلة حياته ولو عامله بالعدل إذا لما التقاكما أنت وأختك. عليك بالكرم، واعلم أن الكريم يقاس بمن تفضل بكرمه، عليه فانتق من تكرم وتذكر قول المتنبي:

إذا أنتَ أكْرَمتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ وَإنْ أنْتَ أكْرَمتَ اللّئيمَ تَمَرّدَا

ولا تستيقظ من أحلامك، فهي لا تكلفك شيئا فلا تبخل على نفسك منها، وهي مقياس همتك وعلو نفسك. ولا تختلط القناعة عليك مع الدعة والكسل، فسعيك للاحسن اعتراف لمولاك بفضله، وحمد له على نعمة العقل. احلم والجم غضبك، فأني وأنا في منتصف الثلاثين من عمري لازلت أبحث عن الحكمة فأجدها بين الحلم تارة والعلم تارة أخرى. وتذكر بأن الدنيا لا تدوم على حال، ولا يملكها أحد فهي سراب.

الله الله.. في والدتك وأختك. هذا ما لا أغفره لك أبدا إن ضيعته، أو أسأت حفظه. وأعيذك بالله من أن تكون هكذا.
لن أطيل عليك، واسأل الله جل وعلى أن يمن علينا بالعيش سويا حتى يقر عيني بك وتفخر بما يفعل والدك إن شاء الله.

والدك،

رائد

محاولة للسعادة: دولما باهتشة

التاريخ: 13 يونيو 2012

هناك، وعلى ضفاف البوسفور، حاول إنسان ما[1] أن يكون سعيداً على هذا الكوكب، لشدة ما يضحك القدر وتعجب الحياة منا معاشر البشر، إذ تبلغ أخبار الأمم الغابرة إلينا، ننظر إلى محاولاتهم تخليد آثارهم، كل مشهد من معارك خاضوها ومعارك لم يخوضوها إنما خُيل لهم أنهم فعلوا، ووالله ما فعلوا!  تدخل هذا المبنى، والذي يشتق إسمه من (ردم التراب والحديقة)  فتشده وتدهش للبذخ في كل صغيرة ودقيقة خارج القصر حتى في زواياه المهملة، حتى في ثناياه التي لا تتصور أن أحدهم سيقف عندها. ولكل بذخ في كل صغيرة هناك عجز في كل كبيرة في أنحاء الإمبراطورية التي توسعت، وسمنت، وعفت حتى ترهلت أطرافها، وأصاب رأسها الخرف فراحت تهدم ما شيد أسلافها، بجنون شيخ أراد أن ينفق ما جمع طيلة حياته لأن ليس له من يورث ما جمع.

يكفيك أن تعرف أن هذا القصر شيد في ثلاثة عشر عاما بكلفة خمسة مليون باونِد ذهبيِ عُثمانيِ أي ما يكافئ 35 طنِ من الذهب وأستخدمت أربعة عشر طناً من الذهب ضمن بناء القصر لتذهيب سقوف القصر[2]  ذهبت لشراء تحف يعج بها القصر، و زخرفة لفنانين ورسامين من إيطاليا وفرنسا، ناهيك عن الهدايا والمقتنيات النادرة. أصبح هذا القصر أيقونة إسطنبول، حيث تقام الحفلات الصاخبة ويستقبل وفود الدول، حيث مقر الخلافة. بل بلغ الإسراف على القصر غايته فى عهد السلطان عبد العزيز الذى تسلم الإقتصاد فى وضع إفلاس تام. حيث بلغت المصريف السنوية بالقصر الذى عين 5320 شخصا حوالى مليوني جنيه استرلينى. وبما أننا في شهر رمضان الآن، فقد جرت عادة بتوزيع البقلاوة في منتصف رمضان لعشرة آلاف جندي!

كل هذه القطع تبدو وحيدة، بائسة تتوق لزمان أسيادها، كل تحفة شاهدة على بأس من كان يسكن القصر، وسعة دخله، وحسن ذوقه. الجو مشحون بالذكريات في كل ركن، وفي كل زاوية وفي كل صورة معقلة وجوه تنظر بأنفة وكبرياء وكأنها أخذت على الزمان عهد ألا يغدر بها. كم من موقف وحدث لم يشهده سوى أثاث القصر؟ كم من سر وأمر خفي  لُفظ أمامها؟  ومؤامرة وخيانة، كم من الحب والكره تجسد أمامها فذهب كل هذا وبقيت هي حبيسة القصر؟ الأرضيات تئن صريراً تحت وطأ أقدام لم تألفها، تدوسها بلا اعتبار لمن مشى فوقها قبل زمن ليس ببعيد. خطوات سياح تفتقر للسكينة والكبر الذي اعتادته من أسيادها، وعدسات كاميراتهم تحاول في خلسة من الحراس التقاط سحر المكان فلا تنقل سوى صورة جمدة لقطع صامتة. بقي لك أن تعرف أن سادة القصر أعطوا أربع ساعات لإخلائه بغرض إجلائهم عن تركيا، لذا فالقصر خاو من الجواهر والأشياء الثمينة التي ضيعها أبناء العائلة في أوروبا في أقل من أربع شهور! بل لم يكتفي الزمان بهذا حتى جعل من أتاتورك الذي ثار على العثمانيين سيداً لهذا القصر، ثم هو الزمان يهزء بنا فيموت أتاتورك في إحدى غرف القصر وهي الغرفة 71، ليبقى القصر بتحفه وكنوزه بالإضافة لسرير مات عليه رجل حاول أن يملك القصر، فملكه. كتب الدهر بأتربته وغباره على كل قطعة أن هذا كله ملك للزمن من بعد كل هؤلاء.

أتى على الكُل أمـر لا مَـرد لـه ==حتى قَضَوا فكأن القوم مـا كانـوا


[1] هو السلطان عبدالمجيد الأول، السلطان الحادي والثلاثين للدولة العثمانية.

خمسين شخصية روائية أثرت في والدك.

 الغالية منيرة،

فيما يلي قائمة بشخصيات روائية أثرت في والدك في عدة محطات من عمره، كنت أود أن أجعل منها مئة وأعدك بأن أرجع في مرحلة مقبلة – إن شاء الله- لأتمها. اسأل الله أن يهب لك ما وهب أباك من حب العلم، وأن يمنحك معه الهمة للعمل به وهو ما قصر والدك به كثيراً. كما أرجوه أن يمد في عمري حتى أحدثك فيما دفعني للتعلق بهذ الشخصيات، والتي كان من الصعب أن انتقيها لأن اختيار المرء مرآة عقله، فكيف بي وأنا انتقيها لك؟ هذه الشخصيات المتفاوتة في البطولة والجبن، في الكرم والخسة، في التضحية والأنانية، في الحزن والسعادة، وفي الخير والشر. بعضها ثانوي، أي أنها ليست الشخصية المحورية التي تدور حولها الرواية، وبعضها أساسي.. لكنها جميعها تفيض بالحياة حتى أن والدك تألم لموت بعضها، أو حزن لما آل إليه حال البعض الآخر كفيلة لتقدم لك باقة مما يجعلنا بشراً. أتمنى لك قراءة ممتعة.

 

المحب لك دائماً،

 

والدك

 

القائمة:

١- الأمير ليف نيكولافيتش ميتشكين – الاهبل – دويستويفسكي.

٢- إيفان فيدروفيتش كارامازوف- الأخوة كارامازوف – دويستويفسكي.

٣- مكسيم غوركي (الطفل) – طفولتي – مكسيم غوركي.

٤- نيكولاي فسيفولودوفيتش ستافروجين –  الشياطين- دويستويفسكي.

٥- متعب الهذال – مدن الملح: التيه – عبدالرحمن منيف.

٦- مفضي الجدعان – مدن الملح: التيه – عبدالرحمن منيف.

٧- غريغوري ديفد روبرت – شانترام – غريغوري ديفد روبرت.

٨- الجمل – وحي القلم – مصطفى صادق الرافعي.

٩- Ken Follett – Pillars of the earth – Jack the builder

١٠- G.R.R Martin – Song of ice and fire- Tyrion lannister

١١-ألكسندر بتروفيتش غوريانشيكوف- رسالة من منزل الأموات – دويستويفسكي.

١٢- الأنف – الأنف – نيكولاي غوغل.

١٣- أبو شلاخ البرمائي- أبو شلاخ البرمائي – غازي القصيبي.

١٤- أمي زهوه “الشيخة” – مدن الملح – عبدالرحمن منيف.

١٥- الأعرابي -“أعرابي في الحمام” “أعرابي في السينما” – علي الطنطاوي.

١٦-هيا – وداعاً هيا – د.محمد الحضيف.

 ١٧- غزال – الطوارق – ألبرتوا باكيثاث فيكيروا.

١٨- صفية – خالتي صفية والدير- بهاء طاهر.

١٩- Carlos Ruiz Zafon- Angels Game – Andreas Corelli

٢٠-  Carlos Ruiz Zafon – shadow of the wind- Julian Carax  –

٢١- ماليكدس- مئة عام من العزلة – غابريل غارسيا ماركيز.

٢٢- دون كي خوت دي لا منتشا – دون كي خوت دي لا منتشا – ميغيل دي ثرفانتيس.

٢٣-  Khaled Hosseini – kite runner- Baba – 

٢٤- أندريه فاسيليفتش كوفرين -الراهب الأسود – أنطوان تشيخوف.

٢٥- Jodie Picoult-My sister’s keeper – Anna

٢٦- George R.R. Martin – song of ice and fire- Aemon Targaryen

٢٧- John Steinbeck – of mice and men – George Milton

٢٨- مخ…تلف لوالدك

٢٩- شايع السحيمي – مدن الملح: المنبت – عبدالرحمن منيف.

٣٠- George R.R. Martin – song of ice and fire – Catelyn Tully

٣١- الجدة فيرفارا ماساليتنوفا – طفولتي – مكسيم غوركي

٣٢- كازبك القبراطي- ثلاثية القفقاس: كازبك القبراطي – محي الدين عزت قندور.

٣٣- الملك خربيط – مدن الملح – عبدالرحمن منيف.

٣٤- Richard Parker- Yann Martel -life of PI

٣٥-  Eiichiro Oda- One piece- Shiroi Hige 

٣٦ – أكاكي اكاكيفتش – المعطف – نيكولاي غوغل.

٣٧ Albert Camus- The stranger – Meursault

٣٨-Antoine de Saint-Exupéry -The Little Prince Book – the little price

٣٩- أندريه يفيميتش -العنبر ٦- أنطوان تشيخوف.

٤٠- متري بن زيدان – الأشجار واغتيال مرزوق – عبدالرحمن منيف.

٤١- فلورنتينو اريثا – الحب في زمان الكوليرا – غابريل غارسيا ماركيز.

٤٢- رجب- شرق المتوسط- عبدالرحمن منيف.

٤٣- Dostoevsky – the gambler- Alexei Ivanovich

٤٤- Papillon – Henri Charrière- Henri Charrière.

٤٥/٤٦- العجوزان – قصص من الحياة – علي الطنطاوي

٤٧- Gabriel Garcia Marquez -Of Love and Demons -Father Cayetano Delaura

٤٨ Amitav Gosh- the glass palace- Rajkumar Raha

٤٩- Mikhaíl Bulgakov – master and margarita -Koroviev

٥٠-Charles Dickens – A Tale of two cities – Sydney Carton

هديف كسري ومعرفة الفرد للفرد.

التاريخ: 18 يونيو 2012

هديف كسري، أي قصر الخديوي، والخديوي المعني هو الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي ظل يهتف شعب مصر بإسمه قائلاً “عباس جاي” في الفترة ما بين 1914-1931 لكن للأسف لم تكن المرة الأولى التي يخذل رئيس مصر شعبها، ولم تكن ولن تكون الأخيرة. لم يبق من الرجل سوى صوره، وبقية ما ضمته الحكومة التركية لملكيتها وأخباره المبعثرة هنا وهناك. ولسنا هنا بصدد الحكم عليه.  

والحقيقة، أن لو رأى الشعب عباس حلمي في مستقره بتركيا لتفهم أمر عباس، الذي نجى من محاولة اغتيال على يد شاب مصري حين استقر في تركيا لظن أنه كان يتمشى في حدائقه الغناء كل يوم متمثلاً ببيت المتنبي:

يَقُولُ بشِعْبِ بَوّانٍ حِصَاني: أعَنْ هَذا يُسَارُ إلى الطّعَانِ

فالقصر ليس بالضخم قياساً ببقية القصور التركية، لكن موقعه لا يقل بهاءً ورونقاً عن أفخمها الباب العالي (طوب كابي أو توبكابي سراي بالتركية) ودولمه باغجة إذ يقع على سفوح خضراء، ويطل على مضيق البوسفور.بالرغم من أنها ليست صبنجة، إذ مهما بلغ إنسان في فنه فليس يقارب من خلق الله على أرضه. لكن خلط زرقة البوسفور بخضرة الأشجار التي رعاها الإنسان، تحبس الأنفاس. حدثني السائق قبل ذهابي إلى هناك، لحظة! نسيت أن أخبركم بأمر السائق والذي ينبغي أن تفرد له المجلدات! قال أردم: ستكون محظوظاً إن صادفنا عرسان هناك يا خاي (هكذا كان يلفظ لفظة أخي.)  

سألت: عرسان؟ أيقيمون زفافهم هناك؟

قال، وهو يضحك: لا ياخاي رائد، إحنا الأتراك بنحب نتصور، نمشي الحديقة نتصور بعدين نروح الفرح! (للعلم، أثبتت دراسات عديدة أننا لا نعيد النظر للصور التي التقطناها بنسب مرتفعة تصل إلى 90%) 

وعلي ولدت في يومٍ مبارك، وطالعي طالع السعد وخاتمتي خاتمة حُسن، هكذا جزم أردم وهو يرى العشرات من النساء يتوشحن الأبيض من الثياب، وبعض الألوان كالأزرق والوردي والتي استهجنها أردم الانطاكي وأخذ يحدثني بلا هوادة عن البدع التي احدثنها بنات إسطانبول، لكننا تركناه يذهب فيلقي التبريكات، ويسأل ألف سؤال، حتى ظننت أن والد العروس سيصفعه لشدة فضوله، لكنهم كانوا سعداء بهذا اللطف الذي أبداه من خلال أمنياته السعيدة بتسعة أبناء والأموال الطائلة والفرح. استطيع أن أقسم أن العروس كانت تبحث عن شيء تقذفه به حين دعا الله وهو يتظر إلى السماء بأن يرزقها تسعة أبناء، لكنني رأيت رجلاً يمشي بصحبة بعير، قصدي كلب! وهذا الكلب –أجلكم الله – شديد الضخامة- حتى أنك لا تخشى أن يعضك بل أن يبتلعك دفعةً واحدة. صاحب الكلب الذي كان كهلاً يجره الكلب حيث يشاء، أخذ يناقش أحد الواقفين الغرباء عن أمر ما في السياسة أقول هذا لأني سمعت اسم أوردغان يلفظ بين الجملة والأخرى، أما سبب وقوف ذاكم الغريب بجانبه لأن بناته كن يلعبن مع الكلب، والكلب بن ابيه كان ساحراً في تعامله مع السيدات والآنسات، إذ كان هذا الضخم يبدو كجرو لطيف، يقوم بفعل الحيل ويعلم أن الجميع يلتقط صوره. قلت في نفسي: ولو كنت كلباً تبقى خروف!

ما يهمني في هذا كله هو رؤيتي للغرباء يتعارفون مع بعضهم البعض، قد لا يتبادلون الاسماء ناهيك عن الابقاء على أسباب الصلة، لكن السائق التركي أردم في خلال الوقت الذي قضاه في الحديقة خاض في السياسة، تذمر من أعمال الطرقات، قارن بين عادات أنطاكيا وإسطانبول، استرجع أيام الشباب مع أحد الشيوخ.. تكلم في كل مجال مع عدة شرائح من المجتمع التركي. لم يتفق في كل وقت مع محدثه، بل أنه انفعل مع أحد ولم يلزم الأمر كثيراً كي أعلم أنه يتكلم في السياسة.

هذا التعارف بين الأفراد ينشأ عنه فهم وحراك وإن بات مبعثراً متشتتاً إلا أنه يتحرك نحو جهة تشير إليها بوصلة اسمها “هوية تركية” تجمع الكل تحت فهم واحد، وتسمح لهم بالتعبير عن هذه الهوية بما لا يقيدهم.    

المجالس في مجتمعاتنا بالرغم من ضيافتنا فهي ليست مفتوحة كساحة عامة، وعل الطقس لا يساعدنا على الذهاب للأماكن العامة بقدر ما نود على مدار العام، وعلنا تربينا ألا نتحدث بهذه العفوية مع الغرباء. لا أدري، ولا أدري ما إذا كان تويتر قد صار هذه الحديقة الافتراضية، لمجتمعات الخليج العربي كما هي حديقة هديف كسري للسائق أردم حيث الناس وإن كانوا غرباء يبقون أتراك بالحاجة للتحدث عن مجتمعهم .

مختلف،مخ..تلف.

قبل القراءة: لا تحكم على هذه الشخصية.

تمهيد:
هناك من يفرضون عليك معرفتهم، وهناك من معرفتهم تكون فرضاً عليك.

كانت الأمطار تهطل بغزارة في الخارج، والرياح تدوي في أرجاء المدينة، لكن علي كنت الذي استبشر بطقس كهذا حين كان أهالي البلدة كمن اعتاده بل تطيّر منه وضاق به! على عكس من يقطن الخليج العربي، يخيل لي أننا دائماً نحمل شيئاً من جفاف الصحراء بداخلنا، وهذا الجفاف يستبشر بالمطر أينما هطل.
كنت أنظر عبر النافذة وانتظر عندما أقبلا ينزعان عنهما معاطفهما المبللة، اتجها نحوي وابتسامتاهما تسبقانهما إلى طاولتي حيث كان كوب القهوة وبضعة كتب اشتريتها. لوهلة حسبت هذا كله عرش متواضع، بلاط ما. وهذان النبيلان، يقدمان علي حاملين رسالة ما. أنا..الجالس على كرسي جلس عليه مئات من قبل، ويجلس من بعدي مئات آخرون.

تم تقديمي من قبل صاحبنا المشترك بعبارة “هذا اللي حدثتك عنه.” ولا أدري كيف تم وصفي لهذا الماثل أمامي، أو أن صاحبي اضطر لنفي الإلحاح الذي قابل رفضي بمقترحه أول الأمر. ذاك لأني كنت متوقفاً في هذه البلدة وأواصل من بعدها سفري لذا رجوته أن يكون اللقاء بيني وبينه فقط ومن دون تكلف. لكنه أصر قائلاً: ينبغي لك أن تلقاه، أعلم أنك تهوى البشر وتحب الاستماع إليهم لأنهم بالنسبة لك بضاعة أدبك، ومصدر وحي قد تستخدمه في حينه أو تحتفظ بهم في مخيلتك لعمل ما. ثم أتبع ضاحكاً: لإن كنا نحن مجرد عناصر كيميائية تخلطها، فهذا عنصر لم تمر به قط!
وبعد عدة رسائل نصية، وعدة محاولات للقاء عبر ثلاث ليال استطعنا أن نضرب موعداً. كنت أتفحصه وهو بتقدم نحوي، يبدو لي كمن ودعه شبابه حديثاً، لأن سواد شعره لا يزال أشد كثافة من الخصل البيضاء. نحيل الجسد، أقرب للطول، ودائم الابتسام. تبدو ثيابه عملية ولا يبدو من النوع الذي يكترث لهندامه، له عارض خفيف، وعظام وجهه بارزة. جلس بعد أن حلف صاحبنا أغلظ الأيمان أنه سيجلب القهوة له ولصاحبه، ومزيداً منها لي. تجاذبنا أطراف الحديث أثناء مضي صاحبنا المشترك “سعد” لفت نظري أن الرجل عميق المعرفة بمجتمعات الخليج وآدابها فلم يفته أن يسأل عن الأعلام من عائلتي وأن يسأل عن أحياء في بلدي. هذه الأسئلة المُعدة، والتي تأتي إجاباتها كالأطقم الصينية بكل القياسات وبجميع الأحجام، ولأي غرض على طاولة الطعام في حقيقتها شكليات ليست بغرض الاستعلام بقدر ما هي بغرض الإعلام بأنك مستقبلاً ستعرف من تسأل عنه، وستضيف لهذه الأطقم الصينية لمسات شخصية كأن تسمي من تسأل عنه.

لمحت عينيه تتفحصان عناوين الكتب الملقاة على الطاولة.

“يقول سعد أنك تعمل هنا. ما شاء الله، عن طريق أي جهة؟ أو في أي مكتب تمثيلي؟” هكذا قطعت حبال أفكاره وهو ينظر للكتب، ثم أن سعد قدم فسألته: أثمة هناك أشخاص آخرون ينضمون إلينا؟ قال: لا! فقلت: إذا لم أتيت بطعام وحلويات تكفي قرية بأسرها!

وبعد جولة ثانية من هذه المقدمات والسؤال والاستعلام في حنين عن أقارب بعضنا البعض الرغم من أننا عرفنا بعضنا للتو، عرفت أن هذا الرجل، من بيتٍ رفيع النسب، وليس البحث عن ثمار المجد لعائلة كعائلته أن يتجاوز رهطه، وحاضر قبيلته غني بالمآثر كماضيها. مما جعلني أفكر: لما يخلف هذا كله وراءه ليكون هنا غريبا وحيدا؟ حيث يجهله الناس، أو لا يقيمون بضاعته.

أجاب: أنا أعمل هنا لدى شركة -ذكر شركة عريقة وذات صيت في قطاعها -مباشرة وبدون المرور بانتداب أو كجزء من بند لاتفاقية تقضي بتدريب كادر الطرف الأول لعقد ما.

قال سعد: عجزت وأنا أطلب منه أن يعود لبلده لأن خبرته الآن مطلوبة. “وش له بالغربة؟”

حتى هذه اللحظة كان يبتسم في وجه سعد ثم قال: “الغربة تبيني!” كيف بدت لك هذه البلدة؟ وجه السؤال لي.

كبقيتها من البلدان، حيث تكثر المحلات والمتاجر نفسها في بقية العواصم، ولا يكاد يميز هذه المدينة عن تلك سوى تاريخها أو طقسها أي ما لا دخل للإنسان المعاصر فيه.

أجاب وقد قطع ارتشافه للقهوة: وجهة نظر حقيقة بالتدبر!

ثم أخذنا نتكلم عن الخليج، عن التغيرات التي طرأت عليه، عن مستقبله وعن أشياء أخرى، حتى قال: “علكما تستغربان لكن مجتمعاتنا بالرغم من عدم انفتاحها للعالم على النحو الذي نراه كانت أكثر تقبلاً للاختلاف، ولا أراها وقد شرق أبناؤها اليوم وغربوا، وفي ظل الإنترنت أكثر تقبلاً للخلاف.”

قال هذا بنوع من الجزم، كأنه كان معاصراً لمئة عام مضت. ربما تساعده هيئته على ذلك، إذ يبدو شاحبا كمصاص دماء!
عارض سعد، واستفسرت أنا. ما الذي تقصد بالاختلاف؟ فقال: لا أتحدث عن السياسة أو الدين أتحدث عن الاختلاف فقط وتقبل المختلف يا سادة. في القديم كان هناك عدة آراء منها المحافظ ومنها المتحرر.
قاطعه سعد بعصبية واضحة: “هذا أمر نسبي يا شيخ.”
“ومن قال بأنه ليس كذلك؟” أجاب وهو يبتسم، كأن إغاظة سعد كانت تطيب له!
قلت: سعد دع الرجل يكمل ما هم بشرحه. تفضل كنت تقول.

أكمل ارتشاف قهوته، ثم قال: لنأخذ قضية الطائفية دون الخوض في الأسباب، في القديم كانت هناك مودة وصداقات بين السنة والشيعة مثلا أكثر مما هي عليه اليوم. وإذا أردنا الحديث عن الأعراق، فقد كان المجتمع لا يحفل بالفروق التي كانت تتجلى بسبب اختلاف الأعراق المكونة له، واليوم هو ليس كذلك. خذ على سبيل المثال، الزواج كان أكثر انتشاراً حتى إن المرأة تغادر بلدتها لتذهب مع من تزوجت. ولا تكد اليوم تغادر الحي سوى للقبر!

قلت: لكن قضية “مواخيذنا” موجودة مذ أزل!
تهلل وجه سعد، ثم قال: صحيح! والتفت نحوه: أنت وش تبي توصله؟

“يا صاحباي، نحن نتحدث فقط سعياً لنفهم هذا المارد. ونعم يا رائد، ما ذكرت موجود منذ القدم والحالات الفردية موجودة في قبيلة ما، في فخذ ما، في بيت ما.. لكنها تزيد لتمتد للبقية أو هي تنحسر بفعل عوامل أخرى وأنا أراها اليوم ممتدة حتى أصبحت سمة عامة. اليوم هناك محاكم تفتيش إن جاز التعبير ونوع من الإقصاء، وأحكامٌ عامة تطلقها الأغلبية لموضوع معين. لاحظا أن الغالبية هذه ليست محددة، لكنها تتشكل وتأخذ سمة العامة ضد الأقلية في رأي ما. وليست السمة العامة شيئاً ضاراً أو ذو طبيعة شر. تذكرا، نحن نتحدث عن الاختلاف وردة فعل هذا المارد لما هو مختلف عنه.

سعد: “هذا المارد المفروض ترده بفانوسه وتتعوذ من إبليس.” ضحكت كما ضحك هو.

قلت: لكنك وبحسب ما قلت فإن الكل يمثل بعضاً من الأغلبية وبعضاً من الأقلية لذا لا توجد فرقة مستضعفة نسومها الإقصاء.

قال منتشياً: آه نعم! صدقت وماردنا كذلك.

المارد كما وصف بطلنا.

ألقى برأسه للوراء، وأسند ظهره لكرسيه وقد ترك لعظامه أن تكون جزء من هذا الكرسي فأخذ جسده ملامح الكرسي في جلسته.

يخيل لي هذا المجتمع بصورة المارد له ثلاث رؤوس: فرأس صامت، وآخر صاخب معارض وآخر يماثله في الصخب ويعارضه في الاتجاه فهو موافق. له ملايين الأعين تراقب بعضها البعض كما تراقب ما حولها، وآلاف الألسن تهمس بكل صغيرة وكبيرة. كل حدث عام، وكل أمر حدث وراء الجدران. هذا المارد يرقب كل صغيرة لكنه تارة يصمت إزاء أمور، ويعارض ويفور، وأحياناً يوافق بكل سرور. هو ضخم إلى الحد الذي لا ترى منه سوى ما وخزته منه، كأن ترى ردة فعله تجاه قضية ما، لكن هذا الرأي الذي تشكل هو ما تراه منه فقط. وعلى الرغم من ضخامته فما أن تقبض على معصمه أو تمسك بطرف ثوبه حتى يتفرق ويتبخر أفراداً. تتلاشى معه هذه القوانين إلى آراء، ويصبح الأمر فردياً بعدما كدت تحلف أن هذا الرأي قناعة مجتمع!

هذا المارد يتحرك بين الحين والآخر لكنه يميل للجلوس والتأمل فقط. يرقب في صبر، لا يمل، ولا أظنه يدري ما الذي ينتظره، لكنه يحس بأن شيئاً ما سيحدث، أو أن شخصاً ما سيُقبل لذا تراه دائم الترقب، يحلل كل صغيرة لأن النظرة حتى النظرة من شخص ذو أهمية بالنسبة للمارد علامات تمهد لما بعدها. قد لا يحدث شيء إطلاقاً، لكن المارد لا يريد أن يفكر بهذا على الإطلاق خوفاً من أن يكون انتظاره مجرد عبث.

نهاية الجلسة

“سعد، أعلم بكمية المواد التي تأخذها هذا الفصل الدراسي ولا أريد أن أشغلك أكثر من هذا.” هكذا اسدلت ستار جلستنا إذ تأخر الوقت، والحق أني كنت على استعداد لسماع هذا الرجل لمئة عام أخرى كما قال غابرييل غارسيا في إحدى رواياته.

“دعني أصحبك للفندق.” قال محدثنا، “فنحن على نفس السكة أنا وإياك.”

آه، نستقل القطار إذاً؟ حسناً لأني لا أريد أن تغير من وجهتك لتوصلني.

ابتسم ثم قال: لا تقلق! لا أظن إني قادر على تغيير وجهتي وإن أردت ذلك.

تدثرنا معاطفنا واتجهنا نحو المحطة، كانت السماء ملبدة بغيوم حمراء والأرض مبللة وحمراء بفعل انعاس أضواء السيارات ومصابيحها، كأنها برك من الدماء. هبطنا إلى باطن الأرض، كانت الإضاءة صفراء كئيبة ومن ينتظر القطار في ملل يرقب ساعته، يحدث صاحبه، أو يعبث في جواله. لم يلفت نظره سوى رجل يقرأ، مرةً أخرى لاحظته وهو يحاول قراءة عنوان الكتاب. أقبل القطار، يتقدمه ضوء المصباح في مقدمته والجلبة التي يحدثها الحديد من حوله. ركبنا المقطورة التي كانت شبه فارغة، رجل نائم. شاب يستمع للموسيقى تنبعث في صخب من سماعاته، امرأة متعبة تتفحص الجميع من حولها وأنا بجنب صاحبي الذي اختار أن يميل برأسه للأسفل وقد عقد أصابعه، وكانت عيناي تتفحصان الخريطة والدعايات المعلقة أعلى الصف المقابل لنا من الكراسي. كنا جميعاً في عوالمنا الخاصة. لم يتحدث حتى دخلنا في نفق،

بعد عدة دقائق ولج القطار من النفق ونهض صاحبي بعد أن أعلن سائق القطار اسم المحطة القادمة، وقد كنت انظر إليه وأستعيد ما قال، لم أرد أن أهمل حرفاً. نهضت معه أردت أن أقول شيئاً فقال: “أما أنت فستكمل طريقك، وأما أنا فهنا محطتي. سررت بالتعرف عليك، حظا موفقاً وعودة آمنة لبلدك.”

مد يده ليصافحني، كانت مصافحته أشبه بمصافحة عسكري. وضع يده في جيوب معطفه بعدها وخرج من الباب انتظر بالخارج ليشيعني حتى إذا أُوصد الباب حياني واضعاً سبابته ووسطى يده اليمنى إلى صدغه. ابتسمت في وجهه، يعزلني لوح الزجاج وصورتي التي انعكست بيني وبينه. كان أكثر ذكاءً من أن ينسى أن يبادلني معلومات الاتصال به، وكنت أكثر يقظة من أن أغفل عن هذا. لكننا وكأننا اتفقنا ضمناً أن خطوط سيرنا كما التقت، فقد آن لها أن تفترق.

صوت من ظلمات الأرض.

اليوم وبعد مضي عدة سنوات، لازلت أذكر صوته وما قال في ظلمة النفق، يراودني ما قال مثل حلم مروع بين الحين والآخر. كان الأمر شبيهاً باستراق السمع، لأنه لم يكن ينظر إلي، كان خجلاً لكنه كان يقول كل كلمة بمرارة.

قال وصوت القطار يقع بثقله على قضبان سكة الحديد، يقطّع مقاله بانتظام: هل سبق لك أن لعبت بلغز تركيب القطع؟ تلك القطع التي تأتي بأشكال مسبقة لتتحد وتترابط بنظائرها ثم تشكل صورة ما؟ عمل فني، أو لوحة عالمية؟ أهم القطع تلك التي تكمن في النصف، بالرغم من أنها جميعاً مهمة، لكنها تقل أهميةً ما بعدت عن مركز الصورة واقتربت من الأطراف. تماماً كالأفراد في المجتمع. أنا قطعة من ذاكم اللغز، شهد الله أني بحثت عن الفراغ الذي أسدّه والمكان الذي أتمكن من إكمال نقصه، فلم أجد مكاناً يستطيع أن يتقبلني. أنا القطعة التي لم تجد موقعها، حتى تيقنت أن الخطأ في، والعيب مني. رضيت أن أحطم أضلاعي، حتى أتمكن من أكون جزءً من كل. ووا أسفي إذ رأيت.. فرأيت الصورة تكتمل بدوني. أردت أن أكون مختلفاً، فلم يقبلوا إلا أن يجعلوا مني مجرد “مخ..تلف”

هل تبقي على سر؟ أنا على استعداد للموت دفاعاً عن وطني في أي لحظة، لكني لا أستطيع العيش اليوم من أجله. لهذا أردت أن أكون بعيداً،جزء لا ينتمي لكل، قطعة مهملة لا تسد مكاناً أو تكمل نقصاً.

أشقى الرجال يا عزيزي من حَمَلَ ذكرى امرأة، وأنا أحمل معي ذكرى وطن!

تمت.

بعد القراءة: لا تسأل إن كانت هذه الشخصية حقيقية أم هي من نسج الخيال.

عاشه في مطار العجائب. (خيال علمي)


تمهيد: وجد حجر عظيم – أثناء عمليات حفر الطرق العشوائية –  ذو طبيعة رسوبية كيميائية ويعود حسب خبراء الجيولوجيا إلى العصر التيتوني أي قبل ملايين السنين، منقوش عليه رسومات يعتقد أنها تشير إلى مطار الدوحة الجديد!

تيستينغ..تيستنغ أتنشن بليز:

تم تأجيل افتتاح المطار الجديد للمرة السادسة بعد الألف، وصحب هذا موجة إحباط، وضحك هستيري كما تم الإبلاغ عن حالات انهيار عصبي حيث شوهد المنهارون يصرخون في حديقة طوارىء مستشفى حمد ( لعدم توافر أسِرّة ) : خلاااص…خلاص! 

 

– سجلت محلات بيع الأشرطة ارتفاعاً ملحوظاً لمبيعات المطرب عبادي الجوهر بزيادة قدرها ٢٢.٨٢٪ خاصةً الأغاني التالية:  “سكة طويلة، حبر وورق، مليت..”

– كعادتها فقد تناولت الصحف القطرية النبأ بنوع من الخجل أو اللامبالاة، وعدم الاكتراث في حين أن الانتقادات سجلت أعلى معدل منذ حريق فيلاجيو الذي لا يزال الحكم القضائي به معلقاً والنار تشتعل فيه بين الفينة والأخرى مذ إعادة افتتاحه. وفي غياب تصريح رسمي لأسباب التأجيل انقسم الناس ما بين قائل أن :”البلاط يزحلق” أو أن “الدفاع المدني لم يقر سلامة مدرج الطائرات، خاصة وإن هناك قسم كامل بالدفاع المدني يعني بمدرجات الطائرات وسلامة المطارات.”

والحقيقة يا سادة أنها ليست أياً من ذلك، كما روت شاهدة العيان عاشه (بإهمال الهمزة.) 

تروي عاشه أنها دخلت المطار الجديد وقد استغرق دخولها ثلاثة أيام وليلتين مشياً حتى وصلت مكتب الإدارة الرئيسي لأنها دُعت للتنسيق مع القائمين على المطار حول تقنية جديدة وهي رش العبايات برذاذ مقاوم لانعدام الجاذبية. نعم، أنت مثلي مصدوم. رذاذ؟ عبي؟ انعدام جاذبية!

 

الشهادة :

 [quote]يختي كنه حلم! تسبحين في الهوا! عقب في أصانصيرات معلقة في السما، ومناظر الأوادم يدشون فيها ومكتوب فوقها: “لندن، باريس، طوكيو!..” شكرا عاشه.. صبروا باقولكم.. خلاص يا عاشه، إرحمي القراء يا عاشه. [/quote]

 

شُكلت لجنة تقصي حقائق لتحليل رواية عاشه، وهو ما ينشر لأول مرة، ولم يأت على ذكره أحد إذ ظل طي الكتمان، ولم يعرض في أي تقرير إخباري أو برنامج تلفزيوني:

– المطار يستخدم خاصية انعدام الجاذبية بعد حصول المسافر على تذكرة صعود الطائرة، وهذا تم بالتنسيق مع وكالة الفضاء الأمريكية NASA. مما يسهل تنقل المسافر عبر الصالات الفسيحة والتي سنتحدث عنها لاحقاً. لا يريدون منك أن تمشي على الأرض أيها المواطن، يريدون لك أقصى أسباب الراحة والرفاهية، حين لا تشقى بأي شيء وتكتفي بالتذمر على موقع تويتر. لديك دقيقة ونصف لشرح موقفك! عفواً انتهت.. النقطة التالية:

 

– المطار يحتوي على منصات لما يعرف علميا بالثقوب الدودية (wormholes) وهي ممرات يعتقد بوجودها من ضمن الثقوب السوداء، لكن ما نتحدث عنه هو ما يعرف ب Lorentzian traversable wormholes وهي تتيح التنقل من مكان لآخر في وقت لحظي. هذا يفسر نوعاً ما تأجيل الافتتاح لعدة سنوات لأن هناك فريقاً من العلماء يعتقد بوجود هذه الممرات لفترة محدودة “عقود من الزمن” وأيضاً يفسر هذا الأمر الزيادة المضطردة في الميزانية التي رصدت للمطار (قرابة ثلاثة أضعاف الميزانية الأصلية.) أما عن سبب التأجيل فمن المرجح أن سلامة المسافرين لم يتم التأكد  منها بعد والموافقة عليها من قبل الدفاع المدني، نظراً لاقتران الثقوب الدودية بالثقوب السوداء، حيث الجاذبية تبلغ من القوة أن الضوء لا يستطيع الهرب من الثقب.   

– المطار يحتوي على مصاعد فضائية space elevators تمكن من الانتقال الفضاء دون الحاجة للمكوكات الفضائية. والغرض من هذا أن يبحث الشعب القطري عن كوكب آخر”خلاص الكوكب هذا مابه قعود، تلوث وحروب وكل ما جينا نستثمر ماهي نويا قطر؟  وقطري حبيبي! أصلاً هذا الكوكب طبعان طبعان (أي غرقان)”  

– التذكرة ستكون رقمية فقط والتطبيق سيساعدك على معرفة البوابة دون الحاجة للبحث أثناء انعدام دمك، قصدي جاذبيتك.

– أما بالنسبة للرذاذ فقد طوّر لمراعاة خصوصية الشعب القطري فيما يخص “الغترة والعبايه” وهو يضيف الثقل عبر تكنولوجيا النانو.

– بالرغم من تطوير الرذاذ سيتم منع الشباب من “كشخة الكوبرا” والشابات من لبس عباية “الخفاش” عند انعدام الجاذبية لظروف أمنية، ومراعاة أيضاً للمسافرين الصغار “أم الرعب!”

– لن يكون هناك تفتيش للحقائب، إذ سيتمكن المسافر من تنزيل تطبيق على الهاتف الذكي يمكّن إدارة الأمن من رؤية الحقيبة في منزل المسافر قبل أن يصطحبها معه إلى المطار، بل ولنزر يسير فقط يتم مساعدة المسافر لحزم حقائبه! مثلاً، المراقب ينظر عبر الكاميرا ويذكر المسافر “لو سمحت، اشيخ –بدون اللام الشمسية- كأنك نسيت الفرشاة.” أو المراقبة تقول للمسافرة عبر التطبيق:”مب من صجج حبيبتي! خذي هذاك القميص أحلى. يطلع خشمج أصغر”   

– فيما يتعلق بالصالات الفسيحة، لم تُهمل أي من التفاصيل البسيطة حتى تلك التي تقبع بعيداً عن أعين المسافرين كقواعد الكراسي، والطاولات مثلاً. إذ عكف كبار المصممين على تفصيل رجل واحدة للكرسي، كل على حدة! تخيل؟ أربعة عمالقة من عمالقة التصميم  المعماري أمثال:  “جون نوفيل، زها حديد، فيلب ستارك، فرانك غاري.”

عزيزي المواطن،

يعملون ليل نهار للانتهاء من كرسي واحد! وإلا، لماذا يتأخر المطار كل هذا الوقت؟ آخ منك يا سيء الظن، آخ منك يا سلبي؛ أعجزت أن تصبر كذا عام من أجل هذا الإتقان؟ ثم أشار إلى كتفه “إحسان” كل ما تفعله هو التذمر..صبراً جميلاً لتذهل بما تعاين. لن أبالغ إن قلت أن “أكبر” مشكلة .. عفواً، أريد بعضاً من الماء.  

أين كنت؟  آه نعم! “أكبر” مشكلة.. تواجه المطار هي أن كثيراً من المسافرين قد يلغون رحلاتهم لأن المطار يبلغ  من الروعة ما يجعلك تأنس بما تراه، وتنسى رحلتك. 

لكن إلى متى؟ أصبح الأب يوصي ابنه، بأنه سمع في طفولته أن هناك مطاراً جديداً سيفتتح ذات يوم، وأنه قد يرقى في السموات العلى قبل أن يطير من خلال هذا المطار! بل أصبحت أتبع همساً حين يدعو الإمام بأن “نصلي صلاة في المسجد الأقصى، قبل أن نقُبض” ب “عبر المطار الجديد يا رب، وعن طريق الخطوط القطرية، بدون خمر في الطيارة يا رب! يا رب..ويرخصون تذاكرهم يا رب” بحرقة!

 بعيداً عن الضحك: 

نحن “أكبر” من أن نلقي باللائمة كلها على جهة واحدة، أو فرد بعينه. المطار الجديد، سيفتتح بإذن الله، وجميع الانتقادات بما فيها هذا المقال، ستصبح من نصيب النسيان. مثال ذلك، بيت الأوبرا في سيدني إذ عانى من نفس المشاكل المالية وتلك الخاصة بإدارة المشروع، وتأخر لعقود من الزمن لكنه اليوم إيقونة المدينة ورمز القارة! وإن شاء الله سيكون المطار كذلك، لكن كل ما أتمناه ويتمناه كل قطري، ألا تحذو بقية المشاريع العملاقة حذو هذا المشروع على الأقل تُصرف الزيادة في أوجه أخرى، ويبذل الجهد في محاولات جديدة، ويعطى الوقت لغيرها من المشاريع.

 

قطر: صهاينة الفريج!


تمهيد: אנא אל תשתמשו באתר זה

عزيزي العربي:

شالوم! مش لوميخ، مش لومخا؟

ما آت روتسيه؟

 

الترجمة:

“شخبارك حجي؟ شلونج حجيه؟ في راسك شي؟ بالعبري” طبعاً هذا سؤال من استعلم وهو يعلم لأننا خططنا ونحن الآن طور التنفيذ أي بعد “خراب البصرة يا حسرة.” نعم.. أنت الآن تلومنا لأننا سبب في تعاستك الشخصية، ومعاناتك القومية. تلومنا في كل شيء، وعلى أي شيء. أتدري لماذا؟ لأنك تجد في الضعف عزاءً وفي قلة الحيلة عذراً.

هون عليك، عل شرحي لهذا المكان الذي أكتب منه هذا التقرير سيوضح أموراً عدة، ولأبدأ بدرجة الحرارة. تبلغ درجة الحرارة هنا ٨ مئوية بفعل العمق ، لك أن تتخيل ممرات متناهية من السواد ذات إضاءات خافتة، منحوت على جدرانها عبارات وطلاسم غارقة في القدم، لن تستطيع فك شفرتها. لأنك لست من التنظيم. لا يعلم على وجه الدقة متى تم بناء هذه الشبكة التي تمتد لعشرات الكيلومترات، ولك أن تتصور ابقاء أمرها سراً على مر التاريخ. تم حرق كل وثيقة، وقتل كل من اكتشف أمرنا. من نحن؟ لا يهمك هذا، ما يهمك هو ما سنفعله بك. لكن دعني أعود إلى حيث أنا.

خلف قاعة حديدية يزن مدخلها ٤.٦٧ طن متري على هيئة تروس ساعة، تستطيع تحريكها بخنصرك في عدة اتجاهات يعني بحرية ٣٦٠ درجة. يلزمك معادلة الزئبق الأحمر بداخلها إذ أن السبيل الوحيد لفتحها هو عبر توجيهها نحو فندق السوفيتل شرقاً وباتجاه درب الساعي جنوباً ثم مرة أخرى باتجاه (تعال ليش أعلمك؟) ما علينا، خلف هذه الساعة جدران صماء أي عازلة للصوت، وهي ضد الرؤوس النووية، يبلغ ارتفاع القاعة ثلاثين متراً وهي أكبر من أن يقاس طولها أو يقدر عرضها. خلف هذا كله أقبع هنا في مقبرة الكتب التي ذكرها كارلوس زفون في روايتيه لعبة الملائكة، وظل الرياح. مئات الآف من الكتب والمخطوطات تحيط بي. بل الملايين، مكتبة كونغرس؟ يبدو الكونغرس بمكتبته أمام هذه القاعة كمكتبة طفل يضم ألعابه إلى كتبه في نفس الرف! أضحك الله سنك، والحقيقة أنك مثير للشفقة، إذ أن خيالك أقل تصوراً من الواقع، هل توقفت للحظة لتفكر في هذا؟ دعني أعيده عليك مرة أخرى: خيالك أصغر من الواقع حولك. لكن فيما اتعب نفسي أيها العربي؟

عموماً أنا نعم.. أنا. أنا الضابط: ك ر ك ٦٢٩

نحن نعرف نفسنا بالأرقام إذ لا جدوى للأسماء ولا نفع لها في باطن الأرض.

أنفث دخاناً من سيجار كوبي، أنظر لعشرات الشاشات التي تنقل أخباراً صنعتها، لملفات كلفت بها، هم يتناقلون أموراً تم الموافقة عليها وأنا الضابط ك ر ك 629 قمت بتنفيذها، ليجني الشهرة رجال يتوقون لربع ساعة من الشهرة. خمسة عشر دقيقة من الشهرة؟ يبدو أن هذه الربع ساعة امتدت للساعة في ظل الشبكات الاجتماعية،تدري ما الذي يعنيه هذا؟ إدمان على الشهرة لمن لم ينلها بعد وهلع من امتلكها فخاف أن تشيعه لترتمي في أحضان غيره. من قال أن نقطة ضعف الرجال النساء؟ لعمري قد أخطأ، أو أنه لم ير فعل الشهرة بهم.

بيدي ملف مصر. نعم ملف مصر، ردة فعلك..

“نفحة سيجار” يا السخيف

“نفخة سيجار” هي على هذا النحو “دي دولة، دي فيها ٨٠ مليون، دي حضارة.”

“نفخة سيجار” ألم أقل لك: أنك تبعث على الملل؟

علك تسأل كبقية المحللين الذين يتخبطون، ما حقيقة نوايا قطر؟ لماذا هذا التحالف؟ ما الذي يريده القطريون من مصر؟ هل هذا تحالف صهيوني؟ تنفيذ لأجندة عالمية؟ هل نحن مسلمون حقاً؟

نفخة سيجار… الجواب هو ببساطة: خيبري- ري – أتوم “القطو العود” يا صاحبي، أو ما تسمونه ويعرف للناس بأبي الهول. تعود مخططاتنا للاستحواذ على أبو الهول إلى زمن الفرعون خفرع بن خوفو. إذ تم التوصل لاتفاق بعد محادثات طويلة لكن نكث العهد وانهارات المحادثات فقررت الإدارة في أسلوب عاطفي “لو مش لينا ميبقاش لغيرنا” وبدأت المحاولات الجادة لنسفه. منها ابتعاث “سنبوك” بإيقاعات ونهام وشغل عدل إلى فرنسا، في العام 1797 أي قبل عام من الحملة الفرنسية وتم إهداء الفرس العربي الشهير “مارينجو” لنابليون وتم تعينه كخبير أجنبي ليكسر خشم أبو الهول، وبالفعل تم “كسر خشمه” وهي إشارة واضحة لكنكم لم تفهموا هذا إطلاقاً، أي شأن يجعل من فرنسي متعجرف يقصف أنف صنم؟ والسبب؟ لم نرد لأبي الهول أن يسلم على أحد، إذ تقوم التحية بين الرجال هنا بواسطة لمس أنف الرجل لآخر.

الفقرة التالية برعاية: MBC Action

المرحلة الثانية من المخطط: وهي شراء أبو الهول، كما تناقلت وسائل الإعلام لديكم وقطع رأسه ليتم شحنه عن طريق الخطوط القطرية إلى عاصمة قطر، الدوحة (يا رب يهبط أبو الهول في المطار الجديد)حيث سيتم تعليق الرأس على برج الساعة في منطقة الكورنيش مع إمالته في دليل للخضوع والخنوع بإتجاه المتحف الإسلامي وإعادة تسمية برج الساعة إلى “برج بو راس” أما بالنسبة لبقية الجسد، فسيتم شحنه إلى عاصمة الضباب ،لندن ، حيث سيتم وضعه أعلى متاجر هارودز، في إشارة منا إلى بدأ العهد الجديد. هذا كله بالتأكيد سيتم تغطيته عن طريق قنوات شبكة الجزيرة!

لماذا؟

لأن مصر أم الدنيا، وقطر تهم بحكم العالم، وعليه فمصر “حماة “قطر وأي شيء أنفع من أخذ “قطو الحماة” وذبحه؟

فهمت؟ نفخة سيجار.. اتجه نحو موقد المدفأة أرمي بالجرائد، حاملاً هرة بيدي ” ضحكة شريرة متعالية، بصوت أعلى وأعلى..”

زوم أوت.. زوم أوت… ضحكة أعلى وأعلى

لحظة التلفون يرن

ألو..هلا؟

منيرة تبي تنام؟

..

إن شاء الله.. في أمان الله أخلص كتابة.

ضحكة خافتة..

النهاية.

بعيداً عن الضحك:

لن أخوض في العلاقات المتبادلة بين البلدين، أو الأمن الاستراتيجي أو مصلحة المنطقة. أنا مواطن قطري، تم تدريسي من عدة أساتذة مصريين، وتم علاجي من قبل أطباء مصريين أيضاً، زرت مصر عديداً (علها تكون أكثر دولة عربية زرتها.) تأثرت كثيراً بكتاب مصريين كالمنفلوطي والرافعي، ونجيب محفوظ، والعقاد، وطه حسين، قرأت للغزالي رحمه الله ولأبي زهرة، سمعت الحصري، وعبد الباسط وليسامحني الله إذ طربت للست!حزنت حين قرأت سيرة محمد نجيب ، وضحكت لمحمد صبحي. أنتم مهد الحضارة، وخير جند الله، ومصر عظيمة لا بنفسها بل بكم. أنتم أقوى من أي أبو هول، وأبقى من أي هرم.

وحين حلت الثورة، كنت كبقية القطريين متعلقاً بالشاشة أدعو الله أن يسلم شعب مصر. يقول بعضكم الآن أننا ندعم تنظيم الإخوان، قل سبحان ربي أليس البنا مصرياً؟ وهؤلاء – أي من ينتمي للإخوان- أليسوا منكم؟ أهبطوا من السماء؟ أم أنهم دخلاء عليكم؟ أحب أن أفكر أن قطر قيادةً وشعباً تدعم قرار الشعب، ومن انتخب. كيف لنا إذاً أن نساعد دولة دون الاتفاق مع حكومتها التي تم انتخابها من قبل الشعب؟ ساعدنا الغريب، لأن هذا طبعنا، أفلا نساعد مصر ولها علينا من الفضل الكثير؟ ولا نخلط ما يروج البعض من أن قطر لها أطماع في مصر. التجارة بين البلدين لا تعني أن يغش طرف الآخر، وتحقيق مكاسب تجارية لطرف وتنموية لآخر لا يعني أن هناك غش وخديعة. وفي الأخير، أصدق التحاليل يا سادة هو أبسطها، لا مؤامرة.. ولا تآمر سوى حب الخير لكم من مجتمع ناشيء وطامح.

مودتي.

رائد A.K.A Agent Karak 629

ملحمة: عذراً منيرة، والدك أضاع مستقبلك.

تمهيد: أنا لا أفكر قبل قهوة الصباح.

دخلت المكتب، وضعت القهوة بطريقة شعائرية، يغلفني الصمت وتتسرب أشعة الشمس من خلال استار الغبار (منتهى الشاعرية.) كنت على وشك أن ارتشف القهوة حين دخلت علي سكرتيرة المدير “وقع..هان، صباح الخير”

وضعت الكوب جانباً، كانت زميلة العمل مضطربة ثم سألتني: سجلت منيرة الله يحفظها في المدرسة؟

ابتسمت وأجبت: لا، لا بعد هي تبلغ سنتين فقط.

أنا لا أفقه شعوذة العصر التي تسمى NLP ولا أحسن قراءة الكلمات فكيف بإيحاءات لغة الجسد؟ لكن النظرة التي رمقتني بها هذه السيدة كانت من ضمن:تباً لك من أب، وتباً لهكذا تربية!

قلت وأنا أضحك بنفاق، تعلمون أي ضحكة أعني؟ إنها الضحكة المؤسساتية وفي العرف تتبع ب “الله يقطع سوالفك يا عمي الشيخ..” : يا أم فلان، أتفهم حاجة الأبناء إلى العلم، وأجزم بأنه أغلى ما يعطيه الآباء للأبناء، لكن هذه المرحلة من العمر شديدة الأهمية فمنها يتعلم الطفل المشاعر عن طريق التواصل مع والديه، والتحصيل العاطفي أهم من التحصيل العلمي لأننا نربي في النهاية إنسان يكبر ويمر بتحديات تتعلق بالمشاعر أكثر من المسائل الرياضية والتمارين العقلية. صدقاً أقول يا سيدتي! إن هذه الذكريات التي يجمعها الوالدان بكل نهم، في هذه المرحلة من عمر الطفل هي أدفء الذكريات في برد الشيخوخة. نعم… هنا تكمن المأساة نحن نخرج آلات للمجتمع في حين نحن في أمس الحاجة..

نظرت إلي ببرود : وقعت؟

أكملت بنبرة المنهزم :”بشر..نحن في أمس الحاجة للبشر” نعم يا سادة لقد طاح وجهي ولم أشرب قهوتي بعد.

ثم تلعثمت واستدركت: إن شاء الله.. إن شاء الله تفضلي وقعت.

خرجت، عاد الصمت إلى الغرفة وعادت السكينة إلى نفسي.. ابتسمت في رضاً تام عن خطبتي العصماء التي – والحق يقال – كانت ستدمع لها عيون الفاهمين، والعارفين.. نعم لن ألومها، سيلزمها الكثير لفهم ما قلت. أين كنت؟ نعم، نظرت إلى القهوة، هذا اللون الأسود وهذه الرائحة وتلك الحرارة، لا أعتقد أن شيئاً يأتي بنفعٍ على الجسد من هذا الخليط، لكن كذلك هي الحياة.

انتبهت وما أن رفعت الكوب حتى ولج المكتب موظف آخر، وضعت الكوب في عصبية واضحة. ألقى السلام علي، رددت التحية ثم قاطعته قبل أن يتكلم، وأنا أضم أصابعي الخمس وأهز يدي في إشارة إلى أن يصبر، رفعت السماعة، فكان يسمع زميلي نصف الحوار من جهتي على هذا النحو:

ألو السلام عليكم، صبحك الله بالخير والسرور يا أمي.

….

أمي راضية علي؟

……

لا ما حلمت في شي يا أمي.

……

والله العظيم ما شفت شي.

….

بنتك منيرة بألف خير.

…..

والله العظيم ما فيها شي.

……

الله يديم هذه الدعوات الطيبة ولا يحرمني منك يا أمي.

في أمان الله أمي.

انطلق زميلي.. “ربنا يخلي لك الست الوالدة، أستاز رائد.” قاطعته مرة أخرى بنفس الإشارة. وسمع حواراً آخر على هذا النحو تماماً مع والدي الذي أكد لي رضاه السرمدي دنيا وآخرة. أغلقت السماعة، نظرت في وجه زميلي.. غريبة!

وما هو الغريب يا أستاز رائد؟

أبي وأمي راضيان عني، فلم تقاطع قهوتي في الصباح؟ يمكن أن أكون ظلمت أحدهم؟ مع أني لا أعنف الخادمة حتى إن التهمت هي وجبة صغيرتي!

ربنا يسامحك يا أستاز رائد.

يا أخي مليون مرة قلت لك ألا تضيف هذا اللقب ولا أي لقب قبل إسمي، أمقت الألقاب التي يضيفها البشر لأنفسهم وكأن الإسم وحده غير كاف للتعريف!

طيب يا أخي أناعايز إجازة بكره.

إن شاء الله..

أصل البنت- ربنا يخليلك منيرة- عندها مقابلة عشان المدرسة.

م..قا..بلة؟

آه مقابلة.

كم عمر بنتك الله يخليها لك؟

ثلاث سنين..

أخذت أقلم أظافري قضماً في عصبية بالغة، تمالكت نفسي رفعت رأسي وابتسمت في أسلوب خطابي وصوت جهوري: أتفهم حاجة الأبناء إلى العلم، وأجزم بأنه أغلى ما يعطيه الآباء للأبناء، لكن هذه المرحلة من العمر شديدة الأهمية فمنها يتعلم الطفل المشاعر عن طريق التواصل مع والديه..

قاطعني: كلام كبير جداً بس يعني حضرتك موافق على الإجازة؟

تنهدت في أسى: نعم موافق.

القهوة فترت..القهوة فترت، لو أنها صارت باردة لما تذمرت أما أن تكون فاترة، بربكم لست على متن طائرة كي أشرب قهوة فاترة! إلى الجحيم بالخطب والتعليم.

الثالثة ثابتة: ولو كان سهماً واحداً لاتقيته_____ ولكنه سهمٌ وثان وثالث!

أمضيت بقية اليوم وأنا بين اليقظة والمنام والشاي. جمعني لقاء بموظفة أخرى تكلمت عن تعليم الأبناء، وإذ بها تسأل: ابنتك من مواليد أي شهر؟

قلت وكأني رجل اسلم عقله قبل أن يسلم كفه لمن يدعي قراءة الطالع والبخت ومعرفة الغيب: شهر ديسمبر.

ولو يا رائد! حرام إجت بهيك شهر!

أنا كنت واثق أن في شي غلط! (قلبي قارصني) طيب أنا من مواليد شهر مارس أثمة أمل؟

نظرت إلي قائلة في إشفاق: سيفوتها عام، عام! لأن الالتحاق بالمدارس لا يكون إلا في شهر سبتمبر، وعليه لن تتمكن من الالتحاق بالصفوف هذا العام وعليها أن تنتظر حتى العام المقبل.

سحقاً.. البنت بتعنس!

شو؟

لا شيء.. ذهبت للمكتب عيناي اغرورقتا بالدموع.. بحثت عن الهاتف.

ألو..أم منيرة إحنا أبوين فاشلين.

وشرحت لها كل ما حل بي، فقالت في كل برود: من صجك؟ بنتك عمرها سنتين!

سينتهي بها المطاف لأن توظف لأنها قطرية فقط، لا لرجاحة عقلها. لن يحتاج أحد لأن تدلي رأيها في مسألة مصيرية تقرر مستقبل الجهة التي تعمل بها، بل لن يكلف أحدهم عناء قراءة تقرير منها، ستكون عالة على المؤسسة التي تلتحق بها، مجرد “ديكور” ولا أريد هذا لأي من ابنائي. ينبغي لنا أن نسلحها بالعلم من الآن.

انتهت المكالمة لكن وساوسي لم تنته بعد إذ ظلت شارداً مفهياً محطماً بقية اليوم، لقد فشلت في تربية ابنتي ولمّا ابدأ بعد! أواه حين تبلغ الرشد فتسألني: يا ابتي بخلت علي بالعلم؟ بم أجيبها حين ترى زميلاتها يتفوقن عليها في المدرسة وفي الجامعة ويترقين في العمل وهي المزهرية التي توضع على منضدة “التــقطير؟” أتودون معرفة مدى الأسى الذي اعتصر قلبي آنذاك؟ وضعت العقال جانبا، ظللت بالغترة وأنا أوقع المعاملات وأقرأ بقية المراسلات وأنا أرفع صوتي بين الحين والآخر ب:لا حول ولا قوة إلا بالله ولا إله إلا الله..كما يفعل كبار السن بعد صلاة العصر!

بحثت في عدة مواقع واستطيع أن أضع المدارس كلها في صنفين لا ثالث لهما: إما أخلاق بلا علم، أو علم بلا أخلاق. أعني بالأخلاق التركيز على الجانب الديني، وبالعلم التعليم الذي يحفز ذهن الطفل لا أن يلقنه تلقيناً.

يقال أن العقل الباطن أقوى من الذهن الحاضر.. إما أن هذا حقيقة أو أن بائع الألعاب الهندي قرأ كتاب “السر” فبعث برسالة إلى الكون مفادها أنه يريد زبوناً لينصب عليه، فكنت أنا القطري المفهي المكلوم ..

دخلت لا ألوي على شيء: رفيق!

انتفض من كرسيه: أيوا! ترك مكانه خلف الطاولة أقبل علي وقال وهو ينظر إلي بكل شاعرية وقال برقة: سنو في مدير؟

فاست فورورد.. فاست فورورد.. بوز!

وضعت اللوحة البيضاء، وألأرقام المغناطيسية وعدة وسائل تعليم.. ومنيرة تطير فرحاً بكل جديد، وزوجتي تتصل بوالدتها: عندكم ماء مقري عليه؟

تعالي يا منيرة احتضنتها، سينقذك والدك من براثن الجهل.. لا لن يجعلوا منك صورةً فقط، أبداً!

بابا..

نعم. نعم يا روح بابا، لا وقت للحزن الآن. علينا بالجد والاجتهاد يا صغيرتي فلا وقت لدينا للعب

هذا صفر

سفر؟

نعم صفر..هذا ما لن تكونيه أبداً إن شاء الله.

هذا واحد.

واحد.

نعم واحد، هذا المركز الذي ستحصلين عليه دوماً بإذن الله.

هذا اثنين.

اتنين.

هذا عزاء أول الخاسرين هذا ما لن تقنعي به أبداً.

والآن قولي ورائي..

ورايي.

لا لا! قولي: ثلاثة..

ثلاثة.

نعم، ثلاثة هذه عدد المحاولات التي ستقومين بها في حال عدم اتقانك لأي شيء.

والآن حبيبتي.. قولي معاي: رؤية 2030 لكي نصدمهم جميعاً في المقابلة!

قولي..

منيرة: ثلاثين..

ثم إنها ضاقت ذرعاً بي، وأخذت تلعب بالدمى.. وضعت يدي على قلبي، قلب الأب الذي يتمزق وهو يتخيل ابنته تجيب على اسئلة المقابلة. ما عساها تجيب حين تلقي اللجنة سؤالاً مثل:

عددي أهم انجازاتك في الثلاث سنوات الماضية؟

إجابة منيرة: تعلمت عدة كلمات، وأن ابحث عن توم وجيري في اليوتيوب..

اذكري مثالين على روح القيادة، وكيف استطعتي التأثير على من حولك؟

بكيت (من قمة راسي)، وصرخت (تبين حلاوه) فما كان من والدي إلا أن اعطاني السكاكر!

أين ترين نفسك في الخمس سنين المقبلة؟

في الابتدائية..

وقع القلم من يدي، ووقعت كل أحلامي معه.

باب: ما ندم من استخار الخالق، واستشار المخلوق.

جلست إلى من لديه أبناء في عدة مراحل، بعد عدة أيام سألته: أي المدارس ألحق بها فلذة كبدي؟

أجاب: هل تريد أحسن تعليم؟

قلت في عجب: إمبوسبل! ويحك؟ أهناك فرق بين مدرسة وأخرى!

نفث دخان سيجارته قائلاً: صح النوم!

نعم أريد أحسن مدرسة.

قال: وهل تدفع جهة عملك هذا؟ لأنه في حين عدم تلقيك هذا المبلغ من جهة عملك تستطيع التقديم على كبونات التعليم؟ ولكن المدرسة التي ذكرتها لك يلزمها عدة واسطات، لأن هناك لائحة انتظار!

انتظار؟ هل بلغ عدد القطريين هذا الحد؟

قال: لا، لكن أبناء الأجانب ينتظرون أيضاً وهي قائمة طويلة!

قلت: يا سيدي، أولسنا مقدمين؟ هم لديهم الخيار بأن يبقوا أطفالهم في أوطانهم، ليحصلوا على تعليم بها، لكن من أين لنا مدارس أخرى، هذا وطننا الوحيد.

أجاب: بربك! أتريد أن تفرق بين الموظف وأهله؟

لا، والله لا أريد هذا ووجود العائلات خير من وجود الأفراد اقتصادياً واجتماعياً.. لكن لماذا أصبح التعليم تعقيداً؟

ابحث عن واسطة من الآن، وقد يبلغ ما تدفعه لها ستون ألف ريال قطري في كل عام.

استطيع التحمل لمدة خمس سنين، ونزفها لابن خالتها ويتحمل نفقتها!

ولا زلت أبحث عن مدرسة.

بعيداً عن الضحك:

الأخوة القائمين على التعليم،

كنت ولا أزال أخاف من التعليم، كما كان يفر السلف من القضاء. ذاك وأن خطأ أي مهنة محدود في فئة ومحصور في زمن وخطأ التعليم ب”جيل!” أطفالنا ومستقبل البلد في أعناقكم فالله الله.

صبنجه، حيث يضع الوقت أحماله.

التاريخ: 15 يونيو 2012

الكثير يغفل عن حقيقة تطور حساب الوقت على النحو الذي صار إليه اليوم، أعني إلى الثوابت والمسلمات التي تقتضي بأن أن يبتدأ اليوم بعد منتصف الليل لا عند الشروق أو الساعة الثانية عشر ظهراً، وأن يقسم اليوم إلى أربعة وعشرين ساعة ثم يوحد كل هذا في أرجاء المعمورة بلا أجهزة إلكترونية، أو حواسب أو شبكة إنترنت! وكيف أن الإنسان اكتفى في باديء الأمر بعقرب الساعة، ثم ضاق بالساعات فأصبح يبحث عن وقتاً أدق فجاء بعقرب الدقائق، ثم لم يكتف بهذا فراح يبحث عن وقت أدق حتى جاء بعقرب الثواني، واليوم تدفع الشركات العالمية أجر العاملات في المصانع الصينية بجزء من مائة في الثانية! بل أن بعض الفيزيائيين المرموقين من أمثال ستيفن هوكنغ يرون أن قياس المتر باستخدام الوقت (سرعة الضوء) أدق من قياسه بوحدة الطول! وخير من ألف في هذا الباب هو الدكتور روبرت ليفاين في كتابه “جغرافيا الوقت.” هذا الضرب من الحساب – أي الجزء من الثانية-  نافع جداً في المدن، الكبيرة منها والمكتظة بالبشر حيث تكون الحركة سريعة، حيث تحسب الدقائق التي تتكلمها في الهاتف المحمول، وتهرع بخطواتك أثناء عبورك الشارع، لأن الإشارة تعلمك أن الوقت المتاح لك لعبوره على وشك الانتهاء. لكن في صبنجه، حيث جلست احتسي الشاي على طاولة قد عُلقت بعنق شجرة باسقة عظيمة الظل، لم يكن يجدي هذا الحساب للوقت في ذاكم المكان. كان حساب الوقت مختلفاً، إذ لا حاجة لك بعقارب الساعة أو ومضاتها فالثواني تجري كخرير الجدول الذي يجري من تحتك، وحفيف الأشجار يعلن لك مضي دقيقة وأخرى، ثم تسمع ضحكاً من بعيد وكأن إخوانك من البشر يعلنون مضي ساعة من العمر.

كان الوقت يمضي دون عجل، كان يقف بين الحين والآخر ليسمع بعضاً من أحاديثنا، كان يجلس منهكاً من الأتيان على كل شيء فلا حديد ينبغي له أن يصدأ ولا آلة تعطب، ولا بيوت تهجر، ولا مدن تخرب، ولا أفواج من البشر جلها ينسى وبعضها يحفظ. لاشيء من ذلك إطلاقاً. ورويداً رويداً،تعتاد المشاهد من حولك، فلا تجد عينيك تجولان بحثاً عن شيء، ترتخي أعصابك، وتقل حركتك بفعل سكون الأشياء من حولك. وحدها ظلال الأشياء كانت تتحرك فتمتد وكأنها أوتاد تُضرب لخيمة الليل. كل هذا تألفه، والإنسان لا ينشغل بالبحث عما يشغله عن نفسه، لكننا اليوم أبعد ما نكون من البشر فأخذت أبحث عما أعبث عنه فلم أجد سوى الذكريات. ذكريات كنت أعدها محفوظة أٌهمِلت، أسماء لا أعلم لها وجهاً، ووجوه أجهل لها إسماً.

أذكر أحد الطلاب الذين عرفتهم أثناء دراستي في الولايات المتحدة، كان قساً نيجيرياً – موتمبو هذا إسمه أو أني أخلط لا أدري ولا يهم هذا- أذكر أنه وقف بجانبي وأنا أنظر إلى سيارة فيراري سأل: “ما إسم هذه السيارة؟”

بربك موتمبو! ألا تعرف هذا الشعار؟ الحصان؟ فيراري..فيراري. ولا تقل لي بأنها ليست سوى شيء مادي..

“لا.. – ضحك –  هي جميلة! لكن أنا على يقين أن الوقت سيعريها من جمالها واستغرب كيف سيفعل ذلك! الوقت يا عزيزي له فعل عجيب في هذا العالم، ولا أحسب الأنسان بكل علمه يصل إلى أبعد من أن يحسبه فقط ولن يتحكم به.”

موتمبو.. ما الذي يدعوني لتذكره الآن؟ وترى..ما الذي حل به؟

هكذا كانت الذكريات تبعث فجأة بلا ترتيب زمني، ولا وضوح ولا نسق محدد. لشدة ما أهملت تنظيف هذا المكان! نفسي.. متى كانت آخر مرة اعتنيت بها؟ متى كانت آخر مرة زرت فيها هذا الجانب ففحصت وتدبرت، وأمعنت ونظرت، ورأيت وتفكرت، وتسائلت وأجبت؟ بين لي أحد الخبراء ذات يوم حقيقة بعد الانتهاء من اختبار قمت به، فقال أنت تحب جمع الأشياء فهل تجد لهذا سلوكاً في الواقع؟ قلت: نعم أنا أحفظ أبيات شعر قد لا أجد لها مناسبة لأتمثل بها، وأدون أغرب معلومات قد تمر بها، وأحفظ أعجب تواريخ صادفتها لا لشيء سوى أني قد احتاج لهذا كله ذات يوم.

وهل تجد لهذا مبررا؟ “عندما تعلم أنك ذاهب لمكان محدد فأنت تأخذ حاجتك، وما يكفيك لكن حين تعلم أنك لا تعود أبداً ولا تدري إلى أين تمضي حتماً، فأي شيء سوى أن تقبض على ما تجد مما غلى سعره وخف حمله عله يعود بالنفع عليك!” بهذا أجبت حينها.

أعود لنفسي مرةً أخرى، أجدها تحفظ الود لمن نساه، وترعى عهوداً نكثها من أبرمها، وتريد تحقيق آمال وأحلام أهملتها الهمة وخانتها الأولويات. في وسط هذا الركام، ومن بين هذا الحطام أعاين ذكريات الصبا حيث كان الهم أبسط (كيف أقضي يومي ومع من؟) شيء لاحظته، هو أن بعدي عن الذكرى نفسها حجب المشاعر التي اقترنت بها، فلا الألم يوجع بعد ولا اللذة بقت. كلها حوادث أحفظها، ووقائع مررت بها.   

“رائد..”

انتبهت. نظرت، لكن كنت أرى كل الذكريات تحوم وتختفي من حولها تماما كالدخان وبقيت هي. بالرغم من وحشة الطريق وبعده، ما كنت لاختار طريقاً آخر يؤدي بي إلى غير هذه الحقيقة.  

“وين راح بالك؟”

ابتسمت، قلت: يذكرني السؤال بقول مكسيم غوركي من أن المرأة قد تسأل الرجل فيم يفكر فيه؟ لكن هذا السؤال عصي الإجابة، لأن الأزمنة تختلط في ذهنك، والذكريات والأحلام والمخاوف والأفراح والأتراح وكل المشاعر تتمازج فكيف لك بالجواب؟ وعليه، فإن المرأة لا تريد منك حقيقةً سوى أن تنشغل بها عوضاً عما تفكر به. هيا بنا إلى إسطانبول!  

عدت إلى صخب المدينة وإلى ضوضاء الحياة حيث الوقت يحسب بأجزاء الثانية وكأني بالوقت يعود معي على عجل، ليسلب الأرواح، ويهدم البنايات. نعم..أنا والوقت، كلانا مشغولان في إسطانبول.

إلى جهة ما.

مع اقتراب نهاية السنة الميلادية، وبدء أخرى تنتشر حمى رسم الأهداف بين الناس، والتي كنت أحد الذين يصابون بها بشكل سنوي وموسمي حتى عافاني الله منها. علكم تستغربون، لكن لم أعد أحبذ رسم الأهداف بالشكل المرضي الذي يعني بكل جنب من جوانب الحياة كأن يكتب أحدهم:
سأحصل على ثلاثة أصدقاء جدد، وأقرأ كذا كتاب منها أربع روايات وثلات كتب تعني بتطوير المهارات ودرزن بيض و حليب أطفال!
بل والله قد أراني أحدهم خطته وفيها أن بعد كذا عام سيكون له كذا من الأبناء! فقلت لنفسي عجباً! أما مر بقوله سبحانه
(لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)

هذا التفصيل كان دائماً يشكل هاجساً لي، فأهرع طوال العام خلف هذه القائمة. يصبح الحلم كابوساً! تصبح هذه النقاط التي وضعتها أنا بغير عقلانية وبدون موضوعية مندفعاً بحماس يتكرر في نهاية كل عام.. تصبح مع مرور الوقت حجارة أرجم بها نفسي، وتصبح المسافة بيني وبين تحقيق تلكم الأهداف سوطاً أجلد به ذاتي، حتى اكتفيت. ثم أجري بعدها لا يعنيني جودة الهدف بقدر ما يهمني أن أرسم خطاً خلاله في تلكم القائمة لأنال نوع من الرضى الذي سرعان ما يزول، فأسعى لما بعده من الأهداف حتى يلأتي العام الآخر فأضيف بعض الأهداف وأنقص بعضها وكأني بقال يبيع على نفسه فيبخسها ويغشها!
العلة في هذه الطريقة أني كنت أتغاضى وأنا انكب على سرد هذه الأهداف بكل تفصيل وإطناب تاريخي وكيف وصلت إلى حاضري إلى حيث أنا الآن وطبيعتي كإنسان! تمر بي أوقات تتفاوت فيها همتي، وتعتريني هموم وأسقام لا أفكر فيها، وقد اسلك طريقاً فأقف متأملاً روعة المنظر، لاسلك فجاً آخر يوصلني لهدف أروع مما رسمت وأسمى مما ابتغيت. اضرب لهذا مثلاً قائمة ما نويت مطالعته هذا العام، كان من ضمن الكتب رواية للكاتب عبدالرحمن منيف “قصة حب مجوسية” لم ترق لي كثيراً لكن قررت أن أمنحه فرصة أخرى، وإذ بالفرصة تفتح لي عالماً لمجموعة من الروايات بقلمه منها مدن الملح بأجزائها الخمسة، أم النذور، الأشجار واغتيال مرزوق، شرق المتوسط..وغيرها. هل أتممت قائمة الكتب الأصلية؟ لا. لكن هل كنت لأغير شيئاً مما تم؟ إطلاقاً، وأعتقد أن هذا الحسم هو جواب كل من مر بشخصية “متعب الهذال” في الجزء الأول من مدن الملح.

 

لست أدعو للفوضى، ولست أميل للكسل والدعة وقلة الهمة، ما كان هذا دأبي ولا ديدني. أحب التخطيط وأؤمن بأهميته، لكن التخطيط الذي أنشده أشبه بالخطوط العامة بلا ملامح، وأقرب قصد إلى جهة عامة لا وجهة محددة.. أترك في هذا لطبيعتي حريتها، أعطيها الفسحة للراحة والتأمل ما شائت شريطة أن تظل متوجهةً نحو الشمال مثلاً لا الجنوب. ولا يخلو كل هذا من الثقة بالله والتوكل عليه.

عل أبلغ ما عبر به أحدهم، هو عضو فريق البيتلز جون لينون إذ قال: “الحياة هي ما يحدث لك، حين تخطط لشيء آخر!”

مالم تلتقطه الأشعة.

20121222-135834.jpg

بنيتي، تأملت صورة الأشعة فغمرني شعور لا استطيع وصفه، وإن فعلت فلن تفعل الكلمات سوى أن تحوم حول معاني الحب والود ثم تحترق بنار ذاكم الشعور وهي راضية بهذا كله وسعيدة بمصيرها. لن أنصف هذه المشاعر التي أحملها تجاهك.

لكن هناك في هذا الصدر، شيء لم تلتقطه الأشعة وهو ذاكم القلب الذي يخفق بأعذب صوت سمعته، وهو يبلغ العامين اليوم. كثيراً ما قضيت أوقاتاً تنامين بها مستمعاً لخفقانه الذي لا أمل منه. هذا القلب الذي أفديه بدون تردد، هذا القلب الذي يحمل بداخله صور قليلة اليوم يحبها وتبادله حباً أضعافاً مضاعفة، سيصادف المزيد من القلوب ويتعلق بصور عدة،

عامين؟ أحقا مضى عامان؟ لكم تمضي الأيام على عجل..!
عامين من الفرح بكل صغير تتعلمينه،بكل كلمة ترددينها بكل صورة التُـقِطت إما بعدسة الكاميرا لتحفظها هواتفنا، أو بأعيننا لتحفظها قلوبنا.

عامين من الضحك لشقاوتك، ولخفة دمك ولدهشتك بكل ما هو جديد. تقول جدتي:”يمكن بغيتوا ولد عشان جذيه شيطانة بنيتكم” ولعمري إنها لم تصب، فما كنت لاستعيض عنك بألف ولد. تخلل العامين كثير من الخوف عليك ،والدعاء لك، ودموع في جوف الليل خشية من كل مرض يلم بك أو مكروه أصابك.

صغيرتي.. القلوب تحب وتكره، تأنس بالشيء وتمل منه، تتفائل وتتشائم، ترغب وترهب، وحياة كل منا هي عبارة عن بحث عما يرتاح قلب كل منا لهذه المتغيرات التي تتغير مع تقدم عمر المرء. قد تتسائلين عن السبب الذي يدفعني لكتابة مثل هذا؟ لأن والدك يا صغيرتي لازال يبحث وهو في الثالثة والثلاثين من العمر عن تلكم النقاط ..أيها يرتاح قلبه لها؟ قد ينشأ عن هذا البحث ضعف ما أو شعور بالضياع، لكن ما أن أضمك إلي حتى أحس أني عثرت على تلكم النقاط، يا قبلتي.. فرحك وفخرك بي هي وجهتي.

أتمنى أن يبقى وجه والدك أحد هذه الصور التي تفخرين بها دوماً وتكنين لها حباً كما يكن لك قلب والدك كل الحب لقلبك.

لا خلا ولا عدم
المحب لك،

آإد (إسمي كما تلفظينه اليوم.)

وطن يسع الجميع.

قصتي معك ببساطة، ولدت فكنا لبعضٍ قدراً، أراد الله لك أن تكونين الدار وأراد لي أن أكون من أهلك لغايةٍ هو يعلمها. نشأت فكنت معي ألعب بترابك، ولي في كل ركن من أركانك ذكرى. كنت أسمع قصص الأولين عنك، فأعجب.لأننا ولدنا معاً، أكيد هي قطر أخرى غيرك أنت! الدامسه، والطويله، والوجبه، والزبارة معارك عديدة، وحوادث أخرى بعيدة مثل سنة الطبعة والقحط، كيف يمتد عمرك لما قبل ولادتي وأنا متيقن أننا أنا وأنت ولدنا معاً؟

ثم رأيت الضحك يملأ أفواه الشيوخ والعجائز حين أجالسهم وهم يستعيدون قصصاً لك حين مشت على ظهرك حافلة لأول مرة، أو حين شوهد التلفاز فرد الجلوس على مقدم الأخبار تحية السلام! ثم كبرنا معاً، أنت تذكرين كل مناسبة عامة مر الناس بها حتى هطول المطر، وتحفظين كل حادثة خاصة في كل “فريج.” عروس أول يا قطر، تذكرين أعراس الفرجان؟ والعزاء حين كانت الدكاكين تغلق حزناً لفقد جيران أصحابها، فيأتي رواد المحل معزين جار صاحب المحل! نعم تذكرين وكيف تنسين؟ حتى كل ذكرى لنا في كل بيت، تحفظينها. بل أني لأعجب لأمرك، تزول الأطلال فتأبين إلا حفظ ذكرى من سكن. لأنك لست الأرض والوطن، أنت الأم كذلك وهل نست أمٌ أي شأن من شؤون أبنائها؟

دخلنا عصر التطور معاً أذكر “البليب”، وتلفون السيارة، أذكر الجوال في أول عهده، ثم الانترنت واليوم تويتر! تغيرنا كثيراً، كنا نسمع اللسان فنميزه، واليوم نسمع ألسنة بجانبنا ولا نكاد نعرف من أي أرض أقبلت. هدمت الأسواق، وبنيت المجمعات التجارية. كبرنا، والدوحة كبرت أيضاً وأصبحت محط الأنظار فصرت اليوم أغار عليك من فم المتكلمين، وأخاف عليك تصاريف الزمن. الآن فهمت! أنك أنت قطر نفسها لم تتغيرين، أنت قطر الأولين تكبرين مع كل جيل، حتى إذا كبر هذا الجيل صرت له أختاً، ثم تبقين كالعروس ويشيخ الجيل فيدعو الله لك ليل نهار ويوصي من هو دونه بك، بل ويبلغ به الحرص فيظن أن الشباب لا يحفظ لك قدرا ولا يعلم ثمنك، وهل كانت الأرواح لتوفي مهرك؟ ثم يمضي الجيل تحفظين جسده بباطنك، وتحفظين وده وعهده بتاريخك، فيُبعث حبك من جديد مع جيل تنشأين معه. لأننا جميعاً ماضون، ومن بعدنا تبقين. أنا ممتن لكل قطرة دم، لكل جهد، لكل دقيقة أمضاها من قبلي فبلغ الأمانة وجعلك في أعناقنا.

قطر.. أنت فنجال قهوة لا أكتفي منه،
أنت القصيد، أطرب للبيت فما بعده،
وأنت الطيب كل عبق يزيد عما قبله.

ليسمح لي كل من ظن أنه أحق بحبك، ليفسح لي كل من يظن أنه أقرب لنفسك، فأنت -وإن ضاقت صدور البعض- وطن يسع الجميع.

حفظك الله من كل مكروه يا من ولدت وولد حبي معها، ويولد حبك للجيل بعد الجيل من بعدي.

مواطن.

ربعنا.

عند بلوغك عقدك الثالث في الوطن العربي فأنت بلا شك خضت نقاشاً سفسطائي الهيئة، عقيم النكهة، عديم اللون. بل أكاد أجزم أنك تشبعت به حتى سئمت مذاقه، لكنه في الخليج العربي يمتلك نكهة مغايرة إذ يحسم  بعبارة تفيد قلة الحيلة تستفتح بكلمة “ربعنا..”

وكلمة الربع هنا بمعنى: الصحب، وهي تقال تحبباً. 

الجميع يتحدث عن “الربع” لأننا دائماً نشير إليهم على أنهم عالمون بما يجري، واعون لما خفي علينا، نحن نثق بهم ولكن..من هم الربع؟ وهل نحن “ربع” في عينهم؟ أهم فئة، أم أناس بعينهم؟ هل يستطيع أحدنا أن ينضم إليهم؟ تخيل، لو أنك نهضت ذاك يوم فجاء كتاب مفاده: “بالمبارك يابوك.. لقد أصبحت واحد من الربع.” أليست طامة أيضاً لو أن في الأمر نوع من الطرد؟ كأن يقال لك: عفواً أنت الآن لست منا وعليه أنت منهم، أنت من “ربعنا”

يُقحم “الربع” في النقاش وكأنهم نقطة نهاية السطر! في حين أن “الربع” فاصلة، يأتي بعدها أمر ويسبقها ألف خبر. حدث ذات يوم أن تلفظ أحدهم بهذه الكلمة فقال “ربعك” والكاف هنا “كف على وجهي” وتظهر أنه لا يتفق مع الأمر لكنهم “ربعي” لا “ربعه” وبما أني وإياهم “ربع” فأنا أوافقهم الرأي. قلت بكل بديهية: عفواً ولكن من هم “ربعي؟”

تلعثم: نعم؟

أعدت وأنا أكرر كل حرف ببطء مفتعل وكأني آخذ أقواله، وأسحب اعترافاً منه: من هم “ربعي” وهل هم “ربعك” أيضاً؟ أم أنك تخاصمت وإياهم؟

أخذت عينه تدور ثم قال بعصبية: ششش..شفيك إنت؟

ثم هب آخر لنجدته فقال: شصالفة يا الظيب؟* “ما الذي دهاك أيها الذئب؟” 

أعدت بنفس البرود: تقولون “ربعك وربعك..” من هم ربعي؟ هل بيني وبينهم اتصالات ومحادثات؟ هل يجري بيني وبين “ربعي” ما يجري بين الإخوان من عتب ولوم في بعض الأحيان؟ هل استطيع التشاغل عنهم؟ هل استطيع أن أواجههم ببعض عيوبهم تماماً كما تفعل مع صحبك وإخوانك؟ ثم ألست أنت واحد من ربعهم أيضاً؟ 

“إيه.. المهم أخوي بنشرب شاي كرك..” قال المُسعف متهرباً. ثم أتبعها ب “حياك..؟” وهي في حقيقتها “إليك عنا..تباً لك أبا خشم”  مجرد ذكر الكرك كان كفيلاً بحل الوثاق الذي أوثقتهما به، فتركتهما وشأنهما.

وعدت إلى نفسي أفكر بالأمر ملياً.. هل نحن “ربع” ربعنا؟ بمعنى هل يجلس “ربعنا”بينهم البين ثم يضيقون ذرعاً بنا فيقولون ” ياخي شوف ربعك.. أو ربعنا..” هل  هناك أسباب تواصل بيننا وبينهم؟  وإن بدرت منا أسباب تجعلهم يتبرمون بالرفقة، فما هي يا ترى؟ رباه…! ماذا لو أن لهم ربعاً آخرين؟

الأمر بسيط والله بس “ربعنا” لو يفهمونا بس.. 

 ======

*قرأت هذه العبارة في أحد التغريدات الساخرة، وللأسف لم أعثر على صاحبها فأنسبها له..

عصر الثقة.

قد تعبر الشارع مشياً  لمجرد رؤيتك ضوء في وسط عمود.وأثناء عبورك تمر بصف من العربات متفاوتة الأحجام ، أقلها قد يفتك بك إن أراد دعسك، لكنك مؤمن تماماً بأن السائق يرى نفس الضوء الذي تراه أنت، ويفهمه بأنه إذن لك بالمضي وأمر له بالوقوف. أنت لا تفكر مثلاً بأن أحدهم قد تصيبه لحظة جنون ويقرر أن يقضي عليك بدون سبب، لأنك مؤمن بالضوء وما يرمز له، واثق بمكابح السيارات، على أنها أوثق لجام يكبح هذه المحركات التي تستطيع أن تفتك بك. تماماً كما تركب طائرة ما لتقطع آلاف الأميال من السهول الواسعة، والصحاري الممتدة، والجبال الشاهقة، والبحار العميقة،  وفي ذهنك أنك تصل إلى حيث أردت! فالطيران تطور بحيث أصبح آمن وإن كان في حقيقته صفيح معلق بين السماء والأرض، لكنك تثق به.

في حين أن ما نرى ونسمع من خلال الأخبار جعل من سوء الظن بالبشر أمراً متقبلاً بل ويعد حسن الظن بهم آفة عقل وقلة فهم. بل بلغ بنا الأمر، أنا نعجب لخبر يجعل الرجل آخراً موضع ثقته فلا يخيب ظنه ولا يضيع معروفه. قتل، وهتك عرض، وغصب، وسرقة إلى كثير من الأمور التي تجعلك تتخذ من قول الشاعر:

عوى ذئب فاستأنست للذئب إذ عوى ___ وصوت إنسان فكدت أطير.

وهذان الثقتان على تفاوتهما، أعني فرط الثقة بالآلة، وانعدام الثقة في النفس البشرية أمران يميزان هذا الزمان عما سبقه من الأزمنة. هل لأننا أصبحنا نمضي أوقاتاً ليست بهينة مع الآلة، فنصبر عليها حين تضيق نفوسنا ببني جنسنا على قلة ما نمضيه من وقت معهم؟ لا أدري، ولست باحثاً عن بواعث ذلك فقد جربت الأثنين، وانعدمت ثـقـتي في الآلة وقلّ تعلقي بالناس على السواء. فالحديد يصدأ، والقلب يعطب. وتبقى الثقة بالله. لا أقولها لنفحة إيمانية هبت نحوي، بل أقولها بعد أن وثقت به سبحانه لثلاث وثلاثين عاماً فلا زال بي حتى خجلت لما مضى وطمعت فيما هو آت.    

بحثاً عن البطولة.

كيف لي بأن أصف رجلاً دفعةً واحدة؟ عبدالله شخص عادي، أب ذو تعليم متواضع، ونسب رفيع ومعروف، هو رهين بطولات أجداده الذين سكبوا دمائهم في سبيل هذا الوطن الذي ننعم اليوم به. بل قد مر على قبيلة عبدالله زمن، كان يعد فيه من بلغ عمره أحد اثنين لا ثالث لهما:
إما صنديد عجز الفرسان عن مقارعته، أو جبان يهاب ساحات الوغى. إذ لم يكن رجال قبيلته يعمرون فوق عمره فهم بخور الحروب، ودمائهم دهن عودها.

الحق يقال أن عبد الله يحب وطنه، يغضب إن سمع انتقاداً له، والكل يعلم أن عبدالله لن يتردد في تلبية النداء، وتقديم روحه في سبيل الوطن. المشكلة التي يواجهها عبدالله اليوم أن لا نداء! لا ساحات وغى، ولا معارك، أو حروب. عبدالله يود أن يخدم وطنه، وأن يحدث أبناءه عن بطولات أجدادهم فلا ينقطع الحديث عنده بل يزيد على ذلك فيقول: “أما والدكم فقد قام بكذا وكذا..” لكن ماهي تلك “الكذا؟” حديثه اليوم مقتضب ينقطع عنده وكأن الزمن أبى عليه أن تظهر بطولته. عبدالله يعجب أحيانا من أنه لا يُختار لأمور قيادية، حتى وإن عدم المؤهلات، وافتقر للشهادات. هو “ولد البلد” هو من “حصى البلاد!” عل ما يهون عليه قليلا هو أنه يرى في نفسه نُذراً من نذر الساعة، وعلامة من علامتها مصداق قوله – عليه الصلاة والسلام- ” إذا وسد الأمر لغير أهله..” نعم هو أهل للأمر، لكان ما هو هذا الأمر؟

هل نسوا أم يتناسون؟ أتُنسى بطولة فلان؟ وينسى “قصيد” فلان؟ فكيف ينسى وهو نفسه إبن فلان – صاحب الشعر- بن فلان – راعي البطولات؟ – نعم يرحبون به في المجالس، نعم يدعونه للمناسبات لكن ثمة أمر ناقص يحس به ولا يستطيع أن يشرحه، أين البطولات في هذا كله؟ يريد أن يثبت لنفسه، قبل غيره بأن البلد لا زالت تراه فتذكر به من قبله، وتعترف بفضله، وتحتاج لهمته ورجاحة عقله. الماضي أغلق بابه، آه لو كان حاضراً حين قامت تلكم المعارك، لقام ببطولات يدرسها التلاميذ في المناهج، وتقام لها مسلسلات درامية، لأنها ستختزل بطولة أمة. المستقبل يحمل احتمال البطولة لذا فهو يتطلع إليه ويرقبه يحسه قريباً منه. عل الأمل هو ما يقرّبه منه بالرغم من بعده. أما الحاضر فممل رتيب، يبدو سرمديا وخاليا من أي “مراجل” تسرد لمن بعده. يريد أن يدعى لتولي زمام الأمور، ينتظر ليدعوه أحد ذات يوم. لكم مر هذا اليوم في عقله، جهز الحوار مسبقاً و”عد القصيد”حتى المزاح والمداعبة. كل هذا أعده عبدالله وانتظر.

ترامى لمسامعه في إحدى المرات أن أحد أفراد قبيلته سيتقلد منصباً ما. راجع الحوار في ذهنه، حرص على استقبال الناس والانصات لهم، لم يره أهل الحي بهذا الهندام وبهذه البشاشة! كل هذا أعده عبدالله وانتظر. ثم وقع ما لم يكن في الحسبان، إذ تولى المنصب ابن خال له ، ولم يتقلده هو! لشدة ما انفجر غضباً، ولم يعلم أحد بهذا الغضب إلا ابنة عمه – زوجته- التي تعلمت حينها أن تجعل سورة غضبه تمر وتعبر دون أن تعارضها أو تكترث لها. إذ أنها عندما بينت له أن ابن خاله حاصل على شهادة الدكتوراة من أرقى الجامعات طار لبه وصرخ: “شهادات شهادات!البلد تبي اللي قلبه عليها، ويخاف الله. مهب بس شهادات.”

نعم، أحسبكم تعبرون الأسطر، سطراً فسطر تريدون النهاية! هل ينبغي أن أنهي الموضوع؟ يا سادة.. عبدالله واقع علينا أن نحتويه لا أن ننهيه.

حين تكثر المشاهد وتغيب النصوص.

 المشهد الأول:

كنت في الصف السادس أو الخامس الإبتدائي حقيقة لا يهم أي من ذلك، أذكر أنها كانت ليلة الامتحان، وقد تقرر أن نقرأ قصة “قطر الندى” وكانت أول قراءة جادة لي، استمتعت بها كثيراً وأنا أتعرف على أحمد بن طالون وكيف أن بني العباس قدروا على مملكته بالسلم لا بالحرب، لم أجد صعوبة في تذكر أي من أدق التفاصيل، وقد تطوعت خالتي بأن تختبرني فتسألني بعض من الاسئلة ولهول ما اكتشفت أن ثلاث إجابات فقط كانت صحيحة من جملة عدة أسئلة!

متابعة قراءة حين تكثر المشاهد وتغيب النصوص.

ثقافة الحي

“من لم يشكر الناس لم يشكر الله.”
حديث شريف

هائنذا أعود من زيارتي لليابان لأول مرة بعد انضمامي لوفد الحي الثقافي في معرض فرجان والذي كان من ضمن عدة برامج للاحتفال بأربعين سنة من الصداقة بين شعبي قطر واليابان، وحين تألقت جميع الوفود تميز وفد الحي الثقافي بأمور انتبهت لها وأود مشاركتم إياها:

ففي حين قدمت بقية الوفود تعريفا برؤيتها، لم يكتف الحي الثقافي بالتعريف عن التقاليد والعادات بل قدم المواطن القطري للشعب الياباني، الإنسان القطري في غير الإطار التقليدي. هذا أمر في غاية الأهمية، إذ نريد من بقية الشعوب أن تتعرف علينا كما تود معرفة ما كان عليه من قبلنا. نعم لدينا تاريخ نعتز به، لكن نريد منهم أن يعلموا أيضاً أن لنا حاضراً نتقاسمه وإياهم، ومستقبلاً ننازعهم عليه.

الأمرالثاني أن الكثير ممن شارك في الوفد لم يكن موظفاً في الحي الثقافي بل متطوعاً فحسب، وهذا تطلب الكثير من اليقين بقدرات المتطوعين، والثقة بأنهم خير من يمثل بلدهم. على سبيل المثال، هل كان بالإمكان الاستعانة بشخص أجنبي أفصح كلاماً وأحسن بياناً باليابانية من كاتبكم مثلا؟* بكل تأكيد! لكن أراد الحي الثقافي أن يفتخر بمن يسكنه، لأن الحي لا يكون حياً إلا بأهله، وبعدها يتسع لغيره. بل إنني ترددت وأردت الاعتذار لأنه لم يحدث قط أن تحدثت لجمهور باليابانية قط، لكن تشجيعي من قبل الإدارة حال دون ذلك.

أما الأمر الذي أشكر القائمين على إدارة الحي الثقافي عليه هو ترسيخ معتقد لدي بأن قطر تملك العديد من المواهب التي للأسف تم رفضها من الجمعيات والمؤسسات المعنية برعايتها! شاهدت سيدة يابانية تريد شراء لوحة من فنانة قطرية حتى وإن بلغ سعرها الآف الدولارات، وهي تقول لي أن رسم هذه الفنانة يستحق أكثر من هذا بكثير. وتعرفت على فنان يعرض حياته للخطر لأجل لوحاته! رأيت موسيقيين ومعلمات للموسيقى من شتى بقاع العالم يتسمرون ذاهلين أمام موسيقي قطري يعلمهم السلم الموسيقى على آلة القانون. أليست من تريد شراء هذه اللوحة القطرية، قادرة على شراء لوحة لأي فنان من أي دولة أخرى؟ أليس من جلس يستمع للموسيقي القطري قادر للاستماع لأي موسيقي آخر؟ لا أخفيكم، كنت ولا أزال فخورا بهم.

ثقافة الاحتواء لهؤلاء الموهوبين، هي الثقافة التي نجح الحي في إحيائها، حين أراد الكثير لتلكم المواهب أن تذبل وتُهجر. زد على ذلك أني التقيت بكادر قطري شاب ذو مستقبل واعد، يؤكد لي أن القادم أجمل والغد أبهى..كل ما ينقصنا الثقة بأنفسنا وبغيرنا، وأن تذوب كلمة “أنا” في “نحن.”

قليل من الثقة يا سادة هذا ما نحتاجه بين المؤسسات والأفراد.. وإن لم تعرفوا أصحاب المواهب فأصدقكم: كلنا عيال قرية، وكلن يعرف خيّه.


* هناك قطريين وقطريات أفصح من كاتب هذه السطور، لكن ما كنت أن اعتذر بعد أن رأيت هذه الثقة.