9720585
في قصور آيات الله.

 

أخذ يلتقط أنفاسه بعد إقناعه آخر زبون بأهمية أن تكون هذه الرواية من ضمن مكتبته، وبعد أن أقسم أن ما بين يدي المشتري آخر نسخة ولا يحصل هذا إلا لصلاته الفجر جماعة لهذا اليوم، أو بره بوالديه، أو صدقة٬ بالرغم من نسخ الرواية نفسها المتكدسة هنا في هذا الركن المهمل، حيث كنت التقي ببقية الكتب التي يقسم للغير أنها أيضاً نسخ أخيرة! 

تناولت كتاباً، فالآخر، لم أعر كتاباً ملاصقاً للكتابين أي أهمية حملت ما كان معروضاً خلفه، وهكذا بدون التعثر أو التأخر.

وهو يراقبني وقد ازدادت غرابته مع كل كتاب أحمله، وآخر أهجره. حتى مثلت أمامه فقلت: حسابك يا شيخ؟

تفحصها، وكان ينظر إلي وكأنه لا يدري أي عقل فوضوي جمع بين هذه الكتب، ما القاسم المشترك بينها؟ ذكر لي السعر، واستهل بديباجة: والله الذي لا إله إلا هو هذا آخر سعر للنسخ الأخيرة التي في يدك، صدقني رسوم العرض والشحن، ناهيك عن الطباعة…وأصلا لو تحسب .

لما أقل شيء، دفعت له المبلغ، وإذ به يذهل:

ما شاء الله عليك. لم تتحدث معي، ولم تفاصل في السعر أو تناقشه. أرشحها أحد لك؟

لا. أجبته بهدوء.

 

كيف تختار كتبك إذا؟

ابتسمت، اجبته كما أجبت العشرات من قبله بنفس القناعة: هي تختارني.

“الله عليك” قالها طرباً، أو تنفساً للصعداء، وشكرته على بيع الكتب. أعتقد أن كل من يشتري كتابا عليه أن يكلف نفسه عناء شكر الباعة، ينبغي لهم أن يعلموا أن عملهم مهم. أن يشكروا شخصياً، لأنهم يحرسون آخر معقل من معاقل الحضارة.

 

قد يبدو لك هذا الجواب فلسفيا أو رومانسيا بعض الشيء لكنها قناعة مبنية على عشرات اللقاءات إن جاز أن نسمي تلك البرهة بين القارئ والكتاب الذي يلقاه لأول مرة، حتى يحسم أمره بشرائه أو تركه وشأنه. آخرها عنوان التدوينة هذه، وهو كتاب يتناول ذكريات أسير عراقي لعشرين سنة في السجون الإيرانية. فكيف تم اللقاء؟

 

مررت في طرقات المعرض وإذ بي ألمح عنوانه يسطع من بين بقية الكتب، أردت تناوله وأن اتفحص موضوعه، لكن حال الناس والكتب بيني وبينه. وإذ بي أجد نفسي عند دور نشر أخرى فقلت: سأراه فيما بعد إن شاء الله. وتفحصت الكتب التي صفّت عن اليمين والشمال فإذ به يظهر مرةً أخرى لكنها طبعة أخرى غير تلك التي لمحتها. أخذ يحدثني البائع وقد ضحك وصاحبه يقول: “مش معقول يا زلمه، حاطه هيك بوضعية وفش حدا قادر يقاومه”

 

نظرت للاثنين، في يدي مجلد قديم أخشى عليه التلف أشد مما أخشى على رأسيهما.

قلت له: هناك نسخةٌ أخرى خلا هذه!

قال متبجحا: لا. فش غير هاظي بالمعرض.

“يا شيخ، توجد نسخة أخرى” وجعلت أصف له شكلها ولونها كشاب يصف لصاحبه فاتنة لقاها في الطريق.

وظل مصرًا : فش..

حدجته ببصري لبرهة: “وما يدريه؟” رحت أحدث نفسي.  هذا وبائع الخضار سواء، هي بضاعة في يده لا أكثر، : سأعثر على تلك النسخة حتما.

 

وينبغي الإيضاح: عل البعض يقول فلم لم تشتر نسخة الآخر فهي نفس الكتاب بطبعة أخرى، ولكن علاقتي بكتبي تشمل النسخ أيضاً، وإلا لاكتفيت بالنسخ الإلكترونية من كل ما أقرأ. إذ يربطني الكتاب به، فأنا اصحبه معي كما اصطحبت الدكتور جيفاكو لشرق آسيا، وروايات دوستويفسكي في عرض البحر، هي تكون رواية أو كتاباً قبل أن أصحبها لكنها تغدو بعد ذلك قطعة من الذاكرة تحمل معها ذكريات جميلة، أو أخرى ليست كذلك كلما مررت بها في مكتبتي، ككتاب قرأته حين فقدت عزيزاً علي، أو آخر حين ولِد مشعل. لا، لست أريد هذه النسخة، أريد تلك التي وقعت عيناي عليها. رحت ابحث عنها في الأقسام، دون جدوى. سألت الباعة هل شاهدتم هذا الكتاب؟ لكن الجميع يكرر اسمه همسا، حتى يتلاشى دونما فائدة وصمت مطبق.

وتوالت زياراتي للمعرض، وفي كل مرة أجعل للكتاب نصيب من الاستعلام. هل تعرف هذا الكتاب؟ سمعت بهذا العنوان؟ دون جدوى. وانتابني اليأس، فرضيت بالنسخة الأخرى، وبحثت عنها لكنني لم اعثر عليها وأخذت أعزي نفسي بأن لي لقاء بهذا الكتاب، في الأعوام القادمة. وفي اليوم الأخير من المعرض، التقيت بالكثير من القراء فعطفت على بائع كتب استوقفني بعض زواره فسلمت على من عرفت، ونظرت لكتاب فرفعته وإذ بنسختي التي بحثت عنها في البداية تظهر من وراء الكتاب الذي التقطته.. ابتسمت كمن يلتقي بصديق قديم، ها أنت ذا يا نسختي العزيزة! تجلسين حين جبت المعرض بحثاً عنك وانقطع الرجاء باللقاء.

 

بدك ياه استاز؟ قال البائع طمعاً، صدقني لك هاد آخر

رمقته  ورمقت أكواماً منها بالقرب فقلت فرحاً:

هو بدو ياني.. !

فقال: إيه شو عليه! الله يوفقكن سوا.

 

 

هل قرأت الكتاب؟ ليس بعد، سينتظر كغيره في مكتبتي، حتى تحين الفرصة، ما يهم هو أن ألمحه بين الفينة والأخرى على أرفف المكتبة فقد يدعوني بدون مقدمات للجلوس إليه وأن نصحب بعضاً لبرهة من الزمن، ليحمل معي الذكريات بحلوها ومرّها. وحتى يحين ذاك الوقت سأظل ممتناً لاقتناء هذه النسخة.  

FacebookTwitterGoogle+WhatsApp

أضف تعليقك

*

أهم التدوينات