إرشيف شهر ديسمبر, 2009

29
ديسمبر
2009

 حين سمعت دقات قلبك عبر الجهاز توقف قلبي والكون معه و توقفت أحلامي عن العدو، سكّنا جميعاً و أنصتنا لقلبك.. لا أكاد أرى أي شيء منك لكن قلبك النابض أرغمني أن ينبض قلبي معه . جعلت فداك! حين تبر والديك فيبتسمان لأعذب صوت ولم ترهما بعد.

ثم أن الأيام مرت، و اضطر أباك للسفر لكني أبيت إلا سماع صوت خافقك مرةً أخرى قبل أن أسافر بعيداً عنك و كأنني لا أصبر عنه. حتى إذا ضرب الستار بيني و بين والدتك و ألقم الجهاز فانتظرنا سماع قلبك بشوق فلم نسمع شيئاً.. و أخذت استمع لصوت أمك المرتبك يتراعد أمام هذه الأنباء التي عصفت بها من خلف الستار:

مات؟ سألت الطبيبة و لها نشيج.

 هرعت إليها نزعت الستار أكفكف دمعها فليتك نظرت إذ نظرت حينها لعلمت شدة ما تحبك. عزيتها بما ألهمت، و ليسامحني الله أن كذبت عليها فقلت أن المصاب هيّن، فلم نرك و لم ترنا أنت أيضاً فنعلم فقدك و تعلم فقدنا. رميتك بالعقوق، فذكرت قول الله عزل و جل:

 وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ( 80 ) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما

استرجعت، و تلقيت سيلاً من المكالمات تهون علي مصابك، لكنه الفقد ولدي فهل ظن أولئك القوم أني أفقد شراك نعال؟ و رأيتني كما يعقوب – عليه السلام – أشكو بثي لله و أرفع حزني إليه.

على أني فخور بك، إذ يمضي الأبناء حياتهم جاهدين أن يلتفت آبائهم إلى ما صنعوا. و أقبلت بكلي عليك لعظيم ما صنعت. ويحك من أعلمك بحال الدنيا إذ لم ترتضيها داراً فتنزل بها؟ أبلغك علم أباك أنها دار أولها بكاء، و أوسطها شقاء و آخرها فناء؟ ألا لله درك، و حين نبعث من بعد الموت سأضمك إلي وأعانقك و لا تعجب حينها سيعرفك أباك فهل أنت إلا بضعة منه؟ جاورت ربك و لم ترض بغير أهل السماء جواراً  فهنيئاً لك بني :

جاورت أعدائي و جاور ربه *** شتان بين جواره و جواري.

 

و بعد، فإن العين لتدمع و إن القلب ليحزن و لا نقول إلا ما يرضي ربنا و إنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون.

 

علمت بوفاة إبراهيم في 22 من ديسمبر ل 2009 ميلادية.

 

21
ديسمبر
2009

ما الذي جرى بينك و بين ذاكم الرجل الذي لاقينا في سوق خضار جدة؟

أي واحد تعني؟

الحمال الذي كان يدفع النقود إليك و يقول لا لا..

آه.. كان يرفض أن يأخذها.

لم ؟

هنا، أخذت أفكر في العائق القابع أمامي، لم تكن ترجمة الحروف هي الحاجز لهذا البريطاني الثلاثيني من عمره، لم تكن اللغة سوى كثيب من الرمال أمام هذا الجبل الغارق في القدم من العادات التي لا يزال فهمها مستعصياً على الغرب.

لأنه يرى فيها صدقة، و كان يردد أن هناك من يستحقها أكثر منه يا تشارلي. هذا ما كان يقوله.

لكنه معدوم، أنت تعلم أنه صافي أرباحه بعد 12 ساعة تقريباً من حمل صناديق ثقيلة مكدسة بالخضروات هو ستون ريالاً فقط. كيف له أن يرفضها؟ و ما أعطيناه كان نصف عبئه اليومي!  أمر لا يصدق.

تنهدت في يأس

فاستكمل قائلاً : أمر مذهل. ألا ينظر من حوله؟ ألا يدري أي عدم يعيشه؟

ابتسمت ملقياً رأسي إلى الوراء، أظن العدم ما نعيشه نحن ” من نحن؟ نلهث خلف البلايين من الأموال، و نحسبها بعد عقود من الزمن و نحن في هذا كله نسمع رنين الذهب و كأنه بين أيادينا. أموال أعلم كيف أكتبها و لا أدري أي طبيعة تحل بالمرء إن صار يملكها؟ أو علها تملكه؟ من يدري..؟  

لكنهم هؤلاء البسطاء، يذكرون من حولهم أن هناك ما هو أعز من المال، من يقنعون بعشرات الريالات في يدهم كل يوم و لا يمدون أعينهم إلى البلايين منها بعد عقود من الزمن.

ثم كان الغد حيث سافرنا إلى الرياض.