إرشيف شهر سبتمبر, 2009

23
سبتمبر
2009

أحد الأسباب التي دعتني إلى النزول في هذا الحي هو قرب الجامع من المسكن، الجامع الذي ما أن سألت مسؤول العقار عن تاريخ انتهاء أعمال ترميمه حتى أجاب : “الباقي حتة دين صبغ” و “حتة الدين”  يتبعها ضمير مستتر تقديره : المؤجر الغبي (اللي هو أنا) لأن “الحتة” طالت مذ نيسان المنصرم إلى قبل بضعة أيام فقط (نيسان شهر أربعة لا تكلف نفسك عناء البحث فشلتنا)  و في فجر من أيام الله حين كنت أهم بالتوجه إلى مسجد بعيد سمعت الأذان من داخل المسجد. ظننت أن الجن ضجرت فأقامت الصلاة و أرادت أن تعمر بيت الله لكن اتضح أن “الحتة” انتهت أخيراً.

 لا تصدق مدى فرحتي حالما افتتاحه بالرغم مما تبقى لكني فرحت أيما فرح! (يا هي وناسة) الصبغ الجديد الذي لا يؤذي العين، و ألواح الرخام الباردة التي تسند ظهرك إليها،و السجاد الوثير الذي تغوص قدماك فيه، حتى أقام المؤذن الصلاة فصدر الصوت عن سماعات (إنما إيه). لم يعجبني صوت الإمام حقيقة، و لم أعلم في أي طبقة أراد (قرار، جواب أم جواب الجواب) و لا أي مقام رتل الرجل (حجازي، رست، نهاوند) لكن السماعات و ما أدراك ما السماعات. يا سلام! تحسسك أن الإمام يقرأ وراء أذنك و يرقيك من مس أصابك.  

و جاء الفجر الثاني، فدخلت المسجد كأنما يتخبطني شيطان من شدة التعب، أكاد أمشي في كل خط إلا خط مستقيم أترنح ترنح الثمل (أجلكم الله) و مدى الرؤية قصير بسبب الغمص (فجر والله) فصادف أني الوحيد بالصف الثاني و قد نظرت صوب الباب فكان نفر من الناس قد لحقوا بالصلاة فقلت في نفسي لا ضير سيلحق بي أحدهم.

و إذ  بصوت يزمجر كأفلام الرسوم المتحركة اليابانية، حين هممت بالتكبير.

أنت يا أخي.

أخذت بالالتفات يمنة ويسرة..

أنت يا هذا.

سمعت شوشرة و أصوات مختلطة، أردت النظر إلى الإمام لكن بسم الله ما شاء الله كان هناك منارتين بشريتين أمامي بل قبل جبلين وعرين لا سبيل لرؤية ما وراءهما. لكن الله سَهّل فاستطعت أن انظر من خلال شق بين خصريهما إلى وجه وشعر! فقلت في نفسي : هذا الإمام.   

رفعت يدي ثم وضعتها على صدري مودةً كما يفعل الأعاجم (زي الأهبل) و أنا أقول:  صك الله بالخير حجي!

“أهلا و سهلا…” و الصوت في كل مكان.  تابع بعدها فقال : “هلاّ ذهبت إلى أقصى اليمين؟ هناك فجوة لو سدتتها”

كنت كسولاً إلى حد الجرأة فقلت : بعيد يا شيخ!

اذهب يا أخي.

حجي، 25 متر.. هذا سفر!

انصرف..

أفا! انصرف !

و أخذ جموع المصلين الشبه نائمين يلومونني قائلين: يا أخي روح!

و صرخ أحدهم : عايزين نلحق ننام يا اخوانا!

الإمام : هيا هيا!

زين زين.. لا تصارخ.

و وصلت و صليت، و أنا محشو ما بين مكيف و بين مصلي. و لشدة اعوجاجي هممت بأمر سوء: أن أعيد الصلاة لأني كنت اصلي باتجاه حائط المبكى حين استقبل الناس بيت الله الحرام!

سلمتُ و سَلِمت من هذا كله و أنا أضع رأسي على مخدتي. لم يك في صدري شيء نحو الإمام، أي نعم “مستانس” على الميكرفون لكنه على القليل في أمر خير، و بقي آلاف الميكرفونات تنفخ  في شر.. و مش حالك.

مودتي.  

 

20
سبتمبر
2009

 

في بلد:

ما الذي يدعوك بالجزم أني لن أموت هذه المرة؟

لا أدري.. لكن أنا على يقين من أن الحياة ستطول بك و ستنعمين بعدها بالصحة و العافية إن شاء الله، سيكون الأمر بمثابة سحابة صيف تنقشع، سيجعل هذا المرض منك أشد صلابة و أقدر على مواجهة الحياة. كالتطعيم تماما.

نهضت بالرغم من وثارة مقعدي، و لذة قهوتي و حسن استماع محدثتي. مضيت و شأني لكن بات الأمر محيرا. ما الذي يدعوني بالتشبث بالأمل و هي تصارع السرطان؟ ثم إني نسيت الأمر برمته، فالدنيا تشتت الفكر و تبعثره.

في بلد آخر:

 بعد أشهر سافرت، أغلقت السماعة و أنا أحلف أغلظ الأيمان أني سأفعل وأرجوها ألا تقلق فإني منفذ أمرها. كانت خالتي قد علمت بتواجدي في تلكم البلدة فسألتني أن أدفع لفلان من الناس مبلغا قائلة : ابنته مريضة بالسرطان. فادفع له كذا من المال ولا عليك فإني أسد المبلغ حال رجوعك.

استغرب عدم تحويلك هذا المبلغ إليه عن طريق البنك!

أصلحك الله هؤلاء أهون على البنوك من أن يمتلكوا حسابا به.

ذهلت! أكاد لا أعرف أحدا إلا و عنده Blackberry  أو iPhone وهذا لا يملك حسابا؟ أي عدم هذا؟

تكبدت عناء تدبير المبلغ، بعد أن اتصلت به و واعدته في بهو الفندق الذي انزل به. رأيت شبحاً ممسكاً بيد شبح آخر صغير. اقتربت منهما، سألت : إبراهيم؟

ابتسم على استحياء:  نعم.

رجل بالأربعين من عمره، لا أستطيع وصفه سوى بأنه واحد من هؤلاء الملايين الذين تقابلهم فلا تكاد تلقي لهم بالا.

و هذه “الأمورة” مريم؟

عيناها تتفحصان كل شيء بالبهو خلسة و كأن السادة قد حفروا في ذهنها ألا يحق لها حتى النظر إلى أشيائهم و أي أثر دل عليهم. رفعت رأسها و قد انتبهت لذكر اسمها. فتاة في الثامنة عيناها تفيضان شقاوة و تنضخان بالمرح. جسدها مخرق بآثار الإبر، و تقرحات هنا و هناك و جروح لا أدري أتندمل أم لا؟ بدت منهكة حتى لمت والدها لاصطحابها معه.

“كانت تفكر أن الوالدة جاية معاكم”

و قد عنى خالتي، لكني لم أجد سببا لتصحيحه فهي والدتي الثانية كما تدعوها أمي.

شرح لي حالتها “لوكيميا” و أنها تحتاج لثلاثمائة وخمسين ألف ريال لتتم زراعة النخاع من أخيها.  

سألته : هل خاطبت جهة ما؟

“اعطوني ثلات آلاف و خمسمية،  أنا و الله ما أبغى فلوس لي حولوها على المستشفى.. “

انعقد لساني تذكرت إحصائية عما أعطي لدولة مجاورة و لن أقول شقيقة، و لم أجد سوى الدعاء له و لابنته ثم أمعنت النظر فيها:

اعتذرت له بعدم مقدرتي على الإطالة وذلك لترتيبات سابقة. دفعت إليه النقود ثم لم أملك إلا أن أقبّل جبين هذه المعدومة و اعتذر لها على هذا المشوار الذي تكبدته.

شيعتهما، و فكرة واحدة تأسرني : ستموت هذه لا محالة و كل ما نفعل من مساعدات مجرد صب ذنوب (أي دلو ماء لم يمتلئ) على نار مستعرة لا تخمد إلا برماد فؤادي والديها. رقيت المصعد و كنت أتمنى أني لم أر وجهها و لم أعلم بحالها. تملكتني رغبة في البكاء و أنا أحس بالعجز أمام هذا كله.

 

تحديث:

 

اتصل بي إبراهيم قبيل أيام.

يا مرحبا و مسهلا.

كيف حالك يا شيخ رائد؟

لا تشيخني، أنا أخوك الصغير بشرني و شصار على البنية؟ إن شاء الله أحسن؟

البنية.. و أخذ صوته يختنق بدموعه و رأيت نفسي اختنق معه. البنية.. و الله بالإنعاش نزيف بالمخ و جالسين يحاولوا فيها. يا رايد أنا ما أبغى غير إني أشكر لكم وقفتكم هادي معانا و الله ما أنساها لكم..

أي وقفة يا ابن الحلال؟ و الله حق عليك تلومنا حن إخوانك و ما فدناك بشي.

أبد و الله ..

ودعته و أنا اسأل الله المعافاة له ولابنته و لا أدري بأي وجه هو مستقبل هذا العيد.

أدركت بعدها أن الحياة قاطع طريق لا يهجم إلا على الضعفاء، يسلبهم أعز ما لديهم  ثم يبتعد عنهم و لا يقدر على السادة الذين هم في منعة منه بل يتذلل بين أيديهم و يطلب النوال منهم و يعطيهم أكثر مما يأخذ منهم.