
مضى ما يزيد عن العقد مذ غادرت الثانوية بلا رجعة – خلا الكوابيس التي تفزعني بأني لم أدرس للامتحان أو أن الامتحان اليوم هو امتحان الكيمياء حين درست للفيزياء-كثير من الأشعار نُسيَت، و كم من المعادلات اختلطت و أصبح أكثر ما لقنت طلاسم من حروف كحرز تختلط في طياته الحروف والأرقام. لم يبق سوى مواقف تتباين في هزلها و جدها.
أذكر أننا برعنا في تسمية المدرسين و إطلاق الألقاب عليهم إما لعلة في طباعهم أو وسمة في جباههم. هناك مدرس للرياضيات “أستاذ ليكو” أما عن سبب تسميته ب”أستاذ ليكو” فلأنه يصرخ حين يجد أي رقم يدله على الجواب أو لا يدله:
“ليكو الرقم.. ليكو.هاد هوّ الرقم”
و هناك أستاذ اللغة العربية فريد الأطرش وسبب التسمية هو شبهه المخيف ب”الموسيقار محمد عبد الوهاب” لا يا فالح… لشبهه بالفنان الراحل فريد الأطرش. كان يبذ عن نظرائه من باقي الأساتذة بمركبه و ملبسه، فهو يعني بهما و لا يكاد يتميز بأي شيء آخر. لم أكن أقيم له وزناً فليس بالمدرس الذي احترف التدريس لضرب الطلاب و الثأر منهم و كأننا كلنا ولاد…. لأننا أكيد كلنا أولاد آدم لذا فنحن نقرب لفهد ابن ال(هو هو) (ذاكم الذي دعس رقبة الفاضل وشدخ رأسه من سنين.)
لكننا لم نكن نثير الشغب في حصته، كان هناك شيء آخر يفرض علينا الالتزام بأدنى حدود اللباقة و الأدب. دخل يوما فسأل عن الواجب، وحين لم يتسلم سوى كراسات بعدد حواري عيسى -عليه السلام- وضع الكتاب جانباً فقال:
“شباب لا يحترم نفسه. لستم من نبحث عنه. سئمنا الانتظار. أنتم جيل كغيره ضائع، لا يقيم لنفسه وزنا. لم نملك تغيير كثيراً مما يجري حولنا حين كنا بأعماركم، كنا نود الجهاد لكن الجهاد دون فقه نضال و لم يحرر مناضل في شرقنا الأوسط شبر.”
سكتنا.. لم نفهم ما يقول آنذاك، لكننا أنصتنا لصوت الفطرة بداخلنا “استهبل و ستقتل” أحسب قلة ممن يتذكر هذا الموقف اليوم يفهم حقيقة ما كان يرمي إليه الأستاذ فريد الأطرش.
أكمل :
“لم تعطون الغير سبباً ليهين شخوصكم؟ من أنا سوى غريب تقدمون عليه عاماً ثم تنصرفون؟ لم تعطوني أسبابا ً لانتقص منكم؟ لألومكم أو أعذلكم؟ لأي شيء ؟ ألا تحبون أنفسكم؟ أنتم ترعونها حق رعايتها. جعتم؟ تأكلون، عطشتم؟ تشربون، مللتم؟ تلعبون و تمرحون.. أنتم تحبون أنفسكم فلم تذلونها؟ أعطيتموني سببا لتسمعوا مهانين، من يجرأ منكم على الكلام؟ لست أحمل العصا معي لكنكم خائفون. أتدرون لم؟ لأنكم قايضتم الحق بالذل.
ألم تسمعوا بعبارة ” احترم نفسك” قط؟ ألا تحترم أباك؟ هل رضيت يوماً أنت و إياه بأن يرفع أحدهم صوته على والدك؟ أن يوبخه في حضرتك؟ سأجيب إطلاقاً..لأنك تحترم والدك. وهل كان احترام النفس سوى ألا تمكن أحداً منها؟ دعوا آبائكم يلومونكم فذل النفس أمامهم عز أما سوى ذلك فلم؟ حتى التوبيخ كيف ترضونه؟ احترموا أنفسكم لا تمكنوا أحداً منها بتوبيخ أو تعنيف. و تذكروا يا سادة، حين يقوم الواحد منا بواجباته حينها فقط يمكنه المطالبة بحقوقه.”
سأقولها بصدق : شكراً أستاذي، اليوم علمت أنك كنت من أنبل الأساتذة، اليوم فقط تذكرت قسمات وجهك فتذكرت فيه عزيزا ً جار الزمان عليه.
تلميذك الذي لا يزال يمكن غيره منه،
رائد.






