بقلم : Raed , مصنف في : عربي , عدد الزوار: 163 .
اعتادته زاوية يجلس بها وحده مع اثنين من مقتنياته: مذياع يلتقط تشويشاً مع بعض الأخبار و عصا يتكأ على غيرها أكثر مم يتكأ عليها أثناء مشيه. أبسط ملامح عذابه هو حرصه على هندامه، و أناقته بين أبناءه و أحفاده في حين أنه لو لم يفعل لما حاد عن اللباقة إذ أنه لم يلق بالاً لهندامهم و هم صغار فلأي شيء يلقون بالاً لهندامه الآن و قد عاد كالصغير بينهم؟
كأن تعاريج وجهه آثار سياط جلده الزمن بها سنة بسنة وعقداً بعقد، يلبس نظارةً سميكة بها شرخ صغير، لا يهتم بإصلاحه لأنه توقف عن رؤية الأشياء واضحة مذ زمن بعيد و أصبح لبس النظارة مجرد زينة تليق بسنه. لكم رجاه أبناءه أن يغيرها! يدفعهم حب الظهور و البر في آن واحد.
يبدأه الناس من حوله بأسئلة تمتحن ذاكرته كسؤال بعضهم : “عرفتني ؟” فيرد بسأم : “لا” لأن محاولاته اليائسة حين يتفرس في وجوههم محاولاً تذكر أسمائهم و معرفة آبائهم تخفق دائماً. لكم تمنى أن يستهل أحدهم : ب”هل تهتم بمعرفتي؟” شهد الله جل جلاله أنه سيقول : “لا “ ما الذي ينفعه إضافة وجه إلى كمً هائل من الوجوه؟ على أنه يسعد و يتحمس حين يسأله أحدهم عن قديم رحلاته، لكن الحماس سرعان ما يخمد حين يرى أن من أمامه سأله من باب العطف لا الفضول. فيسكت و يدعي النسيان.
كثيرا ما تحمل الغربة و العباب يصفع سفينته و طاقمه، و الرياح تصفر من حوله و تنثر الملح في وجهه، هو قادر على تحمل غربة كهذه بل إنه يتوق إليها. أما غربة الزمن التي يعيشها فهذا ما لا طاقة له به، إذ لم يلتقط أي شيء أثناء حياته يعلمه كيف يتكيف مع هذا الزمن الغريب الذي وصل إليه قهراً و غصباً. أبقي ليشهد للبشرية بأنها تحضرت و تمدنت و انطلقت بعيداً عنه و بني جيله لتجعل من حوله يتكلمون في علب يحملونها1، و يمعنون النظر و تطقطق أصابعهم في علب أخرى؟2
يمضغ ما لا يتذوقه في حين يظن من حوله أنه يشتهي صنفاً معيناً، سيخبرهم ذات يوم أو لا سيدعهم يعلمون حين يصلون إلى “هنا” بأنفسهم بأن توافه كهذه لا تهم. كم يود احتساء القهوة مرة تلو الأخرى في أي مجلس لكنه يعتذر ب”بس” ما أن ينتهي من الفنجال الأول. يلفظها لأنها أهون من الذل الذي يحس به حين يسلب وقت من يقف على خدمته.
عل أصعب ما عليه، هو دخول أحدهم إلى الخلاء معه، يسدل عندها “غترته” على وجهه و يمشي على استحياء و يدعو الله بقلب صادق ألا يلحظه أحد حين يكون محط الأنظار نظراً لبطئه و شخصه. لم يحس بالمهانة قبل و لو أخبره أحد أن هو “النوخذه”، من هابه الرجال حضراً و بدواً سيؤول أمره إلى أن يعجز أن يقوم ببعض أمره لتمنى الغرق في إحدى مغامراته بحثاً عن المجد في عرض البحار. رحمة الله واسعة فسرعان ما يعود لنسيانه بعد الخروج ليسأل : هل يريد فنجالاً آخر من القهوة؟
تختلط أسقامه، و تتنوع ألآمه هو لا يدري ما يخبر الطبيب الذي يحاول جاهداً كطبيب الأطفال معرفة ما يئن مريضه منه. يوصف لمن معه دواء، كل ما في الأمر حبوب أخرى بلون و شكل آخر تضاف لمجموعة يحتفظ بهاز أبعد اللؤلؤ و جمعه يجمع مثل هذا؟ عل الحسنة الوحيدة لهذه المجموعة اللعينة هو استدلال الوقت من خلالها، فالحبوب الزرقاء تدل على الغروب و البرتقالية على اقتراب موعد العشاء و هكذا دواليك.
كثيراً ما يختلط الأمر عليه بين المنام و اليقظة، هو لا يدري لم تدمع عينيه لأقل سبب و دون سبب أحيان أخرى هل لأنه تذكر أن كل الأحباب واراهم التراب؟ بعض الوجوه مسحت و أخرى طمست خلا وجهين: وجه أمه و هي عجوز و وجه زوجته و هي شابة.
مضى كل برق خلب و بقيت حقيقة واحدة :
لقد سلبه الزمان كل شيء ، حتى دموع قد يذرفها الناس حزناً لموته. لأنه “خلاص كبر و ريح و ارتاح”
====
1 كناية عن الهواتف المحمولة.
2 من المواقف المؤثرة في حياتي عندما سأل جدي – رحمه الله- و هو يشير بعصاه نحو الاب توب: ما هذا ؟ رحت أشرح له .. فسكت منبهراً لقدراته، و قال : كنت من أوائل من اقتنى مذياعاً فسألت ما كنت تسمعون حينها؟ فسكت منبهراً لأخباره .. قال (كنا نتابع، هتلر و ما احتل من أوربا)
بقلم : Raed , مصنف في : عربي , عدد الزوار: 184 .
فيما يلي رواية اشتغل بها، قد انشر أجزاء منها هنا في المدونة و لا أطلب ممن يقرأها إلا أن ينقدها و يبين لي أماكن الضعف بها أو حتى ينصحني بالانصراف إلى غيرها من بنات الأفكار.
ظلمة حالكة لا يرى موضع لقدمه معها، لا يسمع سوى أنفاسه و لا يحس إلا بالهواء يندفع بين اللحظة و الأخرى، ما الذي جاء به إلى هذا البيت الطيني المهجور؟ ألم يرحلوا عن الحي الذي يقبع به هذا البيت؟ حذرته أمه من قبل ألا يلعب بداخله مع إخوانه. فما الذي جاء به؟ إنه يحس بالغبار يستنشقه، هناك أشياء محطمة في كل ركن لا بفعل الزمن بل بفعل الغضب. أخذ يدور في يأس، ينادي إخوانه و أباه دون أن يسمع جواباً :
عبد الرحمن.
يبه؟
فهد؟
التفت إلى الوراء، لم يعد يعلم أين المخرج؟ مضى زمن طويل مذ آخر مرة. سمع صوت طفل يناديه اتجه إلى غرفة فسيحة ذعر لمنظر العشرات من القطط السوداء الصغيرة و قد توقفت تنظر إليه، بل تنظر من خلاله. ثم إن الوحيدة الكبيرة منهن اتجهت نحو باب تخرمشه، و تنظر إليه. سمع صوت من خلفه يناديه :” أحمد هاي أنت؟ بطّل الباب أحمد” كانت نبرة الاستعطاف واضحة. تردد أحمد لكنه اقترب قليلاً و إذ بالصوت يلح “بطّل…بطّل” حتى مادت يداه تعالج القفل لكن الصوت ضاق ذرعاً بتردد أحمد فتغريت النبرة من صوت طفل يحتاج مساعدة أحدهم إلى مارد مغلغل في أصفاده و صوت غاضب كأنه يجمع أصواتاً متعددة ” بطّل أقولك.. أحمد”نظر إلى الوراء، حاصرته الهرر و هي تموء و كأنها هي الأخرى تأمره. خشي من أن يلامس ظهره الباب، أخذت يداه تلامس الحائط من وراءه، تقوده كأعمى يدخل مكان لا يألفه، عرق بارد يسري إلى عنقه، و القطط تنظر إليه بعيون صفراء براقة لم تتحرك و كأنها تنتظر أمر أحدهم و الصوت يحذره في غضب و يقرع الباب بعنف ” بطّل الباب أحسن لك” بلغت يمينه زاوية انتهى الجدار عندها و ارتسم له بهو أمامه بفعل الظلمة التي ازدادت قتامتها. سيعدو الآن، سيهرب. و ما أن فعل حتى قبضت يد على معصمه الأيمن و جرته إليها في تلك اللحظة فهوى، و ارتطم رأسه فأحس بألم و سواد يغلف عينيه الآن و لكنه أحس بثقل القطط أيضاً تجثم على صدره، عشرات منها و مواء قريب من أذنه، أصابعه تتحرك لا شعورياً من جراء عض بعضها. أراد أن يتحرك لم يستطع، كان يريد أن يتنفس، فأحس بأن صدره يتحطم. لا يستطيع الاستنشاق. أيقن أنه سيموت، ذعر و فجأة.
استيقظ و هو يصرخ “لا..”
كان البيت من جملة النائمين حين استيقظ أحمد فزعاً هذا المساء، فأمه و أخته في عرس ما كما سمع اليوم أثناء الغداء و إخوانه يمضون وقتاً مع صحبهم و أباه كذلك. سكون تام، لا حركة و لا قطع من الأثاث المبعثر هنا و هناك و التي تدل على أن البيت به من الأحياء ممن يقيمون الفوضى فيه. الغرفة لا زالت كما هي حين شيعها بعينين ناعستين، الكمبيوتر مثبت على برنامج تنزيل بعدادات بدت و كأنها تقيس كل ما يقاس في هذا الفضاء الرحب، التلفاز المثبت في الحائط و شاشته الزرقاء، المكيف الذي أغلق لتوه بعد أن ضغط أحمد على جهاز التحكم. مجلات هنا و هناك. ثياب مرمية على أرضية من البورسلان.
“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..” قالها و هو يتفحص بعينيه كل كبيرة و صغيرة خشية أن يكون “هو” هناك. شرب بعض الماء من القنينة التي بجانبه كأم تسهر على راحة وليدها، لا أحد يعلم بالتحديد متى وضعت قبل يوم أم أسبوع أم حتى شهر! إذ يغلق باب غرفته حال ما يخرج و هو أمر يثير غضب والدته و فرح خادمتهم في آن واحد و التي اعتادت أن تصرخ ” أهمد سكر باب” تأمرها سيدة البيت بتنظيف هذه الغرفة الثائرة على البيت و نظافته.
أسند ظهره إلى الوراء. أحس بالقرف من العرق الذي كان قد تصبب منه.
“لازم أتسبح..” فكر بها و هو يزفر الهواء كمن انتهى لتوه من جري مائة متر. نظر إلى علبة السجائر بجانبه “زين باقي سيجارة” لازم أصلي.. لم يكن أحمد بالشاب الذي يلقب ب”حمامة المسجد” و لكنه، كحال الكثير من الشباب يغفل عن الصلاة أحياناً و يعود لها ما أن يتوفى أحد من معارفه بحادث أليم.
نظر إلى جواله و أخذ يتفحص المكالمات و الرسائل : 4 رسائل
“ها قاعد؟ قوم نتمشى.. “ المرسل علي.
“حبيبي وينك؟ و حشتني.. ” المرسل الحب
“مرة وحدة راحت….إلى آخر النكتة” التي لم يلق لها بالاً . المرسل : جاسم.
“يا القاطع.. ” المرسل رقم.. أخذ يحاول التذكر أهي واحدة ممن عرف؟ أم واحد من “الربع” و قد انقطعت صلته به أو غير رقمه. اتصل، لكن الطرف الآخر لم يرد. ذهب إلى الحمام، أحس بشيء من الخوف. أيعقل أن مثله يخاف؟ أين الشجارات المدرسية، و الرحلات مناطق نائية؟ و السباقات بسرعة جنونية ؟ أينها لتسبغ الشجاعة عليه؟ لم رجع هذا الكابوس مرة أخرى في حياته؟
كانت أمه تنجده من قبل، فتحضنه و تطمئنه و تقرأ عليه الفاتحة و آية الكرسي إلى أن ينام مرةً أخرى لكنه اليوم أكبر من أن يستنجد بوالدته اليوم. لكن والدته علمت بعد أسبوع من رؤيته لهذا المنام، أخبرها بذلك عبد الرحمن و قد استمع للحوار بين أخيه و الشيخ الذي قدم من البحرين خصيصاً ليرقيه.