إرشيف شهر يونيو, 2009

24
يونيو
2009

هناك تجارب يخوضها المرء، و مشاهد يعاينها، و خطب يسمعها أو كلمات يقرأها تحفر في ذهنه و تبقى متعلقة به تعلق الطفل بأمه في الزحام.

و عل تجربة دراستي بالولايات المتحدة نقطة تحول في حياتي، لا إلى الأحسن أو الأسوء بالضرورة بقدر ما هي منعطف في حياتي تغيرت من بعده أبداً. و من تلكم المشاهد المغيرة لما بعدها ما حدث أثناء ليلة من ليالي العطل أثناء إقامتي بمدينة أوستن، بولاية تكساس حيث كنت أمشي و أصحابي في الشارع السادس حيث يجتمع الناس من كل حدب و يقصدون هذا الشارع المكتظ بالمراقص و الحانات. يعلم الله أني لم أكن من رواد تلكم الأماكن (طلع إشاعات أنت و إياه) بقدر ما كان يروق لي مظهر الناس و الباعة و الجمهرة و مطعم IHOP  المفتوح على مصرعيه على مدار الساعة.

و أثناء المشي، تهاوى إلى أسماعنا نبأ جريمة قتل! تخيل معي مراهق خليجي في السابعة عشر من عمره، من مجتمع هاديء نسبياً يسمع بجريمة قتل على بعد خطوات! أكد ذلك وجود سيارات الشرطة و اندفاع رجال الأمن مشياً و على الخيل إلى حيث مسرح الجريمة. اندفعت إلى حيث جمهرة الناس لأن الأمر كان مشوقاً يدفعني بذلك تماماً ما يدفعكم لرؤية الحوادث، أو الكوارث على شاشات التلفاز أو عبر شاشات الحاسب. أليس ال”شر” جزء من البشر؟  

بالكاد رأيت المجرم و قد تلطخت ثيابه ببقع دم طفيفة يدفع بالشتائم قبل الأيادي إلى شاحنة تبدو من الخارج و كأنها قد عدت لأغراض متعددة و لكن ما أن تلقي بنظرة خاطفة إلى أحشائها حتى تتيقن أنها ما أعدت إلا لأن تكون قفصاً. فالعواميد المثبتة و السلاسل المعدة و الأصفاد المثبتة بالهيكل هي نتاج حسابات لتفادي أي شيء سوى أن يزج المجرم من بعدها في قفص أكبر منه.

لاحت مني التفاتة نحو جواد يعتليه شرطي و قد أخذ يدفع الهواء من منخريه في تقزز و قرف مما يدور حوله. و إذ بشاب هندي قد اكتفى من مشاهدة ما يدور حولنا و أخذ يخاطب أصحابه و رفيقاته فرفع ذيل الجواد و هو يلفت انتباههم ضاحكاً، حتى هذه اللحظة و قبل أن ينتبه رفاقه لم يعلم بالأمر من أهل الأرض سوى ثلاث أنا و الشاب الهندي و الجواد.

لكن سرعان ما تبين لي أن رابعاً كان على علم بما يدور حوله : و عندها ارتطم جسد هذا المنحوس بالعربة و أخذت رجلاه ترتفع شيئاً فشيء من الأرض، و لشؤم طالعه لم يكن صاحب هذه القبضة الفولاذية سوى رئيس الشرط بنفسه. رجل أصهب ضخم، عظيم البطن كان يأمر من حوله ممن هم دونه في الرتبة دون أن يذعر للجريمة أو يتحمس بفعل الأعين التي ترقبه. حسبت الأمر كله جزء من مشهد سينمائي تمرن كل فرد فيه سنوات عديدة، حتى المقتول أتقن من وقوعه جثة هامدة بلا حراك.

 

   أخذ يصرخ و عيناه تقدحان شرراً : أتدري ما أنت فاعل أيها الصبي؟ قالهاً بتكرار و بسرعة و كان الشاب الهندي المعلق من رقبته يهز رأسه ذعراً. فأكمل هذا العملاق : أنت تتحرش بشرطي. تماماً كما لو أنك تحرشت بأخد زملائي، أثناء تأدية عمله. ألأنه لا ينطق؟ ها ؟ قل لي بربك ما الذي دعاك لفعل هذا ؟ هل تريد التحرش بي؟ ها ؟  

صرخ بأحدهم فأقبل شرطي مذعور هو الآخر من غضب رئيسه فاعتقل الشاب وسط بكاء و رجاء الفتيات بأن يُطلق سراحه دون جدوى و مضت الأيام تجر من بعدها الأعوام و أنا أسأل :

هل بالغ رئيس الشرط حينها؟ أم كان هذا هو الرقي في الإحساس بمشاعر الآخرين؟ ليتني أرى مشهداً في أوطاننا العربية قريباً منه.  حتى من الله علي بمشهد حدث قريباً بأحد البلدان حين وقفت سيارة الأجرة أمام مدخل الفندق و قد أطفأ السائق محرك السيارة و أشعل سجارته و هو ينظر للكلب الذي يبحث عن أي شيء سوى المتفجرات.

شوف سيادتك الكلب ده.

ما به؟

ده بيقبض أكتر من الحمار اللي ماسكه أصله بياخد تمان تلاف – أي ثمان آلاف- و الحمار ده  (أي الحمار ده) بياخد ألف و نص يا باشا.

ثم ضحك عالياً حين نبح الكلب و اختلطت قهقهاته بالدخان المنبعث منه و هو يقول : حقك علي يا سيادة الكلب يا ابن الك..

تنويه :  عذراً لانقطاعي لم يمنعني سوى التحضير لامتحان اليابانية، و قد انتهيت منه و الحمد لله.   

 

4
يونيو
2009

obama

3
يونيو
2009

يتهافت الأطفال لرؤية والدي  -حفظه الله - يقبلون عليه بأياديهم قبل قلوبهم و عيونهم قد تعلقت بيمينه كأنهم شواهين مقبلة على فريستها، ثم يناولهم الحلوى التي قصدوه لأجلها، و هو مشهد أسبوعي أعجب لقناعة والدي له من ناحية و لصراحة الأطفال من ناحية أخرى.

أليس يتكرر هذا المشهد بعينه مع اختلاف الهبات؟ فارق بسيط هو أن الكبار أشد بطأً بالمضي بما حازوا عليه بنفاقهم و الأغنياء و الحكام أشد فجعاً بانصراف الناس عنهم ما أن تزول أسباب قربهم!

 ذّكرت والدي قائلاً : و كأن هذه العائلة قد توارثت هذه الشعيرة كباراً و صغارا، و كأنه حتم على الكبار منا و رزق قد كفل في اللوح المحفوظ لصغارنا. بل أنت إياك كنت تضحك من عمك – غفر الله له- و تقول أنه أنفق في الحلوى أكثر مما جمع، و لم يترك لعياله شيئاً سوى أطفالاً يترحمون عليه!

ابتسم و قد علق عيناه بي ثم قال : و كذا تفعل أنت من بعدي..

فرددت بما يرد به الولد متمنياً له طول الصحة و العافية. ثم قلبت تلكم القناعة لدى والدي ، و السبب أنه فهم الحياة من خوضها و فهمتها (أو أظن أني فعلت) من قراءة أخبارها و شتان بين التجربتين. الأولى نقش على حجر و الثانية رسم على شاطئ.  

فلاح لي عندها شيء غريب هو شدة ربط الناس بطباع لي و نسبها إلى والداي، فحب الكتابة منه و حب القراءة منها و الجرأة منه و الذوق منها و تقديم الغير بالخير-  للأسف – منهما معاً. في حين أن شبهي بهما في الصغر لم يكن يعدو الومضات في بعض من اللحظات كحاجبي إن غضبت أو أمور هي في مثل تلكم الدقة.

ثم زاد ذاكم الشبه حتى جاوز اللحظات فصارت فترات، و انتقل من تشابه الخلق إلى تشابه في الخُلُق و الطبائع كرفضي الشديد أن يصحبني أحدهم إلى المستشفى حتى إن اضطررت إلى إمضاء ساعات في قسم الطواريء.

كثيراً ما وعدت نفسي، بأن اختار بعض من الصفات و أتجنب تلك التي أظن أنها لا تعجبني أو لا أميل إليها، بل وضعت نفسي مكان والدي في بعض ما مر به و عاهدت نفسي أن أتصرف بطريقة مغايرة. لكن بت أعذر قسوته و أقول “صرامة” و عللت شفقته الزائدة فأقول “هي رحمة” ثم وجدتني أتصرف على هذا النحو حتى صار نهجي يقترب من نهجه بل يكاد يطابقه.

كنت أحسب أن الآباء يورثون قسمات الوجه و ألوان العيون، كنت أحسب أنهم يورثون الثروات فقط لكنها الطبائع أيضاً التي يلحظها فينا من عاصرهم و شاهدهم و لا زلت أذكر حين أنشدت أبي بيتين اثنين فضحك أحد الطاعنين في السن قائلاً : هذا يحب الشعر كجده.  

عندها تذكرت ما قرأت لغابريل غارسيا بأن المرء يعلم متى يشيخ حين يبدأ بمشابهة أبيه.