بدايةً: ينبغي لي أن أفرد مقالة كاملة تعني بتطوير الذات، إذ يحسب الناس أن الأمر مسل في أغلب الأوقات، ممتعٌ في مجمله و أنه لا ينطوي على جهد و لا يلزمه قرابين و تضحيات قد تحيد بأكثر المريدين عن هذا الطريق ليسلكوا آخراً غيره.
و لله در المتنبي إذ قال:
لولا المشقة ساد الناس كلهم__ الجود يفقر و الإقدام قتّال.
أو ذاك القائل:
لا تحسبن المجد تمرٌ أنت آكله __ لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر.
===
دخلت الصف، حيث ندرس اليابانية متأخراً كعادتي و منهكاً كعهد الأستاذ بي. إذ أقوم بحضور الحصص الثلاث كل أسبوع بعد الفراغ من العمل مباشرة في الرابعة و النصف و قد تستمر الحصة أحياناً إلى التاسعة مساءً.
و بالرغم من الإعياء إلا أني كنت متحمساً بعض الشيء لأخبر الأستاذ بأني التقيت صدفة بمدرستي السيدة / ماكي هتناكا في مجمع الاند مارك و ابنها البالغ من العمر ثمانية أشهر. و مدرستي هذه هي التي أخذت على نفسها توفير كتب غير تلك التي تدرس في المركز آنذاك من حسابها الخاص، إذ لا يتم تدريس اليابانية كتابةً في معهد Berlitz و قد بذلت جهداً بالغاً في تعليمي حتى اضطرت للانصراف عن التعليم لتعتني بطفلها. مر على هذا كله عامين. ثم أني التحقت بمعهد اللغات بعدها إلى يومنا هذ.
جلست و أخذ الأستاذ يشرح الدرس، حتى أنسيت ذكر الحادثة و سرحت قليلاً حين طلب منا الاستماع للفقرة التي يهم بقراءتها و فيها توضيح لاستخدام ما تم شرحه مسبقاً.
فقرأ:
إلى الأستاذ الفاضل/ أوزما.
تحية طيبة و بعد،
أرجو أن تكون بخير و عافية، كما أود أن اغتنم هذه الفرصة لأهنئك بزواجك القريب. أتمنى لك و لزوجتك حياة مليئة بالمسرات.
ثم انتبهت إذ أتى المدرس على ذكر إسمي فقلت في نفسي : هاهي خطبة رائد الطالب “المفهي”، لكنه استمر بالقراءة و أخذ من بالصف يضحكون و ينظرون إلي.
أخذت أنصت عندها، و إذ بها معلمتي تخبره بأنها التقت بي! و إليكم نص الترجمة:
لكم أنا ممتنة لك إذ اعتنيت بطالبي، و كم أنا فخورة برائد إذ لم يستعن كعادته بكلمة إنجليزية طوال الساعة والنصف التي تحدثنا بها في كل موضوع. أنت بارع أيها الأستاذ إذ تمكنت في زمن قياسي أن تطور من يابانية رائد إلى حدٍ كنت أعجز عن تخيله. بل إني ظننت أنه كباقي طلاب اليابانية لم يلبث و هجر لغتنا لصعوبتها، و لم أكن لألومه حينها لقلة استخدام اللغة في دولة قطر و شح موارد التعليم.
شكراً لك، لأن رائد مصمم اليوم على أن يصبح ضليعاً و فصيحاً في آن واحد، صحيح أنه لا يزال هناك الكثير ليتعلمه لكنه سيحصل على هذا كله، فهو ذو عزم و همة، و لن يقنع إلا بأن يتقن اليابانية كالإنجليزية.
أنا واثقة من هذا.
==
نظر إلي الأستاذ قائلاً : لقد أدهشتها حري بك أن تفخر بنفسك؟
انعقد لساني حينها. لكم أنا ممتن. لا للرسالة فقط، و لكن لثقة هذه السيدة بي، و لإيمانها باجتهادي.
على أن ما أثار دهشتي هو شكرها له بدلاً أن تنتقد أسلوبه و نهجه في التعليم. ألم يورد في الأثر أن إبليس نشر الحسد بين العلماء؟ بل رأيت بعضاً من علماء الدين في هذا العصر يتهكمون و يتندرون ببعضهم البعض! و يبالغ بعضهم في نسب أشنع الصفات و أقبحها إلى من يخالفه الرأي..
أية تواضع هذا؟ أي عرفان هذا حين ترسل رسالة كاملة تشكر غريباً عنها لا لمعروف أسداه إليها و لكن لأنه اهتم بتلميذها؟ و تنسب الفضل فيها إليه و تعترف بإلمامه بصنعة التعليم و تقصيرها فيه؟
أي دماثة هذه؟ و أي أدب هذا حين يتصل هو بها فيشكر تواضعها و يعترف بفضلها و يستأذنها في قراءة ما في هذه الرسالة على مسامع الصف لحسن صياغتها؟
و بعد هذا كله يأتي البعض فيلومني في تعلم اللغة اليابانية!